الصفحة 683 من 883

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

ولا زال الحديث مع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفصل الثاني وهو ما عقده فيما يتعلق ما جاء من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مما اشتمل على بعض الصفات والأسماء.

ووقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ» ) المؤمن التائب ( «مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ .. » الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هذا هو الحديث الثاني من هذا الفصل، واشتمل على إثبات صفة الفرح لله جل وعلا. قوله: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي رواه البخاري ومسلمٌ رحمهما الله تعالى وهذا من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما، وفي روايةٍ لمسلم «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح» . وقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في الحديث السابق وما سيأتي ذكر الشاهد مما يتعلق بمحل الذي يتكلم عنه.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفرح لذةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى. هذه الأمور الوجدانية القلبية الأصل فيها أنها تُعقل مما يعلم الإنسان من نفسه، فيقال: الفرح هو الفرح، والرضا هو الرضا، والمحبة هي المحبة. هذا أحسن تعريفٍ لها، وما يدركه الإنسان من نفسه حينئذٍ يستطيع أن يُدرك اللفظ إذا سمعه، فالفرح كاسمه هو الفرح، لكن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكره بمعنًى أشبه ما يكون بتقريب لمعنى الفرح وإلا ليس هو عينه من كل وجهٍ: لذةٌ تقع في القلب. إذًا هو محله القلب، وما يكون على الوجه من البشرة ونحوها هذا يُعتبر أثرًا للفرح وليس هو عين الفرح، وإنما هو يكون في القلب، لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى فيتولد من إدراكه حالة تُسَمَّى الفرح والسرور. ثم قال رحمه الله تعالى: والفرح صفة كمال. ولهذا يوصف سبحانه بأعلى أنواعه وأكملها كفرح سبحانه بتوبة عبده كما في الحديث الذي معنا .. إلى أن قال: والفرح بالشيء فوق الرضا به. يعني أراد أن يفرق بين المعنيين لئلا يلتبس هذا بذاك، الفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينةٌ وسكونٌ وانشراحٌ والفرح لذةٌ وبهجةٌ وسرور. فكل فرحٍ راضٍ، فكل فرحٍ، فَرِح فَعِل هذا اسم فاعل، وليس كل راضٍ فرحًا، فبينهما العموم والخصوص المطلق حينئذٍ يتعين حمل الرضا على على الطمأنينة والسكون القلب، والفرح لذةٌ وبهجةٌ وسرور، يجتمعان ويفترقان، يجتمعان يكون فرحًا راضيًا، ويفترقان بأن يكون راضيًا ولا يكون فرحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت