قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وزعم قومٌ من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن أو الحديث على المسائل القطعية بناءً على أن الدلالة اللفظية لا تُفيد اليقين - لأنها محتملة - بما زعموا - وزعم كثيرٌ من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر ونحوهما من ما يُطلب في القطع واليقين. على كلٍّ هذه تمسك بها أهل البدع أن القرآن والسنة ليس مصدرين للتشريع هكذا، ليس مصدرين للتشريع في باب العقائد وأصول الدين، وإنما المصدر الذي يكون إِلَهًا يصدر منه الحكم الشرعي فيما يتعلق بالمعتقد هو العقل وما عداه فلا، وهذا باطلٌ. ومن تدبر القرآن قال شيخ الإسلام: من تدبر القرآن أي تَفَكَّرَ فيه، والفكر هو إعمال النظر في الشيء، وقد جاء في الكتاب والسنة الحثُّ على التدبر والتَّفَكُّر قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] . ومن آياته آيات الصفات. إذًا هل يأمر أن الناس يتدبروا شيئًا لا يفهموه؟ الجواب: لا. أو شيئًا لا يُستفاد منه معتقد؟ الجواب: لا. الآيات الدالة على الصفات والأسماء في القرآن أكثر بكثير من آيات الأحكام، ولذلك عَدَّها بعضهم إلى خمس مائة آية آيات الأحكام التي يحتاجها الفقيه المجتهد، ومَا عَدَاه ستة آلاف آية هذه كثيرٌ منها ما من آية إلا وتختم بصفةٍ أو اسمٌ للباري جل وعلا، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} . وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24] ، {الْقُرْآنَ} (أل) تفيد ماذا؟ العموم كل القرآن، ومنه آيات الصفات {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} إلى غير ذلك من الآيات الحاثَّة على التدبر وتفهم معاني القرآن.
وفيها الرد على من زعم أنه لا وصول إلى ذلك، وأن باب الفهم عن الله وعن رسوله قد أغلق، وباب الاجتهاد قَدْ سُدَّ، وهذا قولٌ باطل تَرُدُّه أدلة الكتاب والسنة. طالبًا للهدى أي الرشاد، تبين له، يعني من تدبر القرآن وكانت نيته ليس أن يصادم القرآن يعني يعتقد ثم أراد أن يستدل يجيب؟ لا، أراد الوصول إلى الهدى، يعني ما قرأ القرآن وتفكر وتدبر إلا من أجل أن يصل إلى ما أراده الله تعالى من العباد، تبين له أي اتضح طريق أي سبيل الحق وهو ضد الباطل.
وبهذا انتهى الفصل الذي عقده رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالاستدلال بالكتاب على إثبات الأسماء والصفات.
ثم سيذكر فصلًا فيما يتعلق بالسنة، ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.