الصفحة 571 من 883

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

ولا زال الحديث مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سرده للآيات المتضمن لبعض صفات الباري جل وعلا.

ووقفنا عند قوله: رحمه الله تعالى وقوله تعالى: (وَقَوْلُهُ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4] ) .

هذا شروعٌ من المصنف رحمه الله تعالى في ذكر صفة المعية، معية الباري جل وعلا، وذكر سبع آيات، وآخر ما ذكره من الصفات السابقة وهو صفة العلو، وناسب أن يذكر صفة المعية بعد صفة العلو لِيُبَيِّنَ أنه لا تناقض بين إثبات الصفتين، فهو عالٍ مستوٍ على عرشه جل وعلا وهو كذلك مع خلقه فلا تناقض بينهما، والأصل في ذلك ماذا؟ هو أن الذي أثبت العلو هو الباري جل وعلا، والذي أثبت المعية هو الباري جل وعلا حينئذٍ يكون كلاهما حقٌّ، ولا تناقض بين الحق البتة، فناسب أن يذكر بعد العلو لأنه قد يبدو لمن نظر بعقله أن هناك تناقضًا بين كونه فوق كل شيء وكونه مع العباد، هذا إذا نظر الإنسان كيف حينئذٍ يكون الباري جل وعلا مع خلقه ويكون مستويًا على عرشه، هذا بالنظر العقلي وليس بِمُسَلَّمٍ لكن نقول ماذا؟ أنه مدام أن كل من الصفتين قد جاء ذكرها في الكتاب والسنة فحينئذٍ يكون كل منهما حقٌّ، وما يعتري العقل حينئذٍ يكون لفساده في تصور هاتين الصفتين، فناسب أو كان من المناسب أن يذكر الآيات التي تُثبت معية الله للخلق بعد ذكر آيات العلو.

(وَقَوْلُهُ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ) . مر معنا ما يتعلق بتفصيل هذه الجملة، وفيها إثبات الأفعال الاختيارية للرب جل وعلا، والأفعال الاختيارية هي التي تتعلق بمشيئته جل وعلا بمعنى أنه لم يكن ثم كان، والذي تضمنه هذا النص صفة الخلق وصفة الاستواء لأنه قال: ( {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ} ) . إذًا لم يكن خَلَق ثُمَّ خَلَقَ هذا فعل اختياري وهو يتعلق بمشيئته، كذلك قوله: ( {ثُمَّ اسْتَوَى} ) . والاستواء لم يكن ثم كان كما عرفنا فيما سبق ولذلك أتى بـ ثم الدالة على المغايرة والدالة على الترتيب لم يكن ثم كان، وكل صفةٍ للباري جل وعلا لم تكن ثم كانت حينئذٍ نقول: هذه صفةٌ أو فعلٌ اختياري. والضابط في ذلك أنه متعلقٌ بمشيئته، وكذلك ما كان معلقًا بسببٍ نقول: هذا من صفات الفعلية الاختيارية، وهذه من الفوارق بين أهل السنة والجماعة مع الأشاعرة وغيرها إذ ينفون هذه الصفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت