الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولا زال في ذكر الفصول المتعلقة ببعض ما يُمكن أن يتعارض في ذهن المكلَّف عند إثبات بعض الصفات، والظاهر أنه أراد ذكر معتقد أهل السنة والجماعة، ثم ما قد يتمسك به المخالِف في ذلك من أهل البدع.
فقال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة: 186] ) .. الآيَة (وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) . هذا الفصل فيه ذكر لصفة القرب لله عز وجل، وهو كالتفصيل لِمَا ذكر من قبل، كلامه رحمه الله تعالى في هذه الفصول مكرر، لكن التكرار لا بد من ذكر، لأنه ذكر في الفصل السابق أنه لا تنافي بين إثبات معية الله لخلقه وبين علوه، الفصل السابق عقده رحمه الله تعالى لبيان أنه لا تنافي، يعني لا معارضة ولا تناقض بين إثبات صفة المعية لله تعالى لخلقه وبين علوه، فهو عالٍ مستوٍ على عرشه بذاته بائنٌ من خلقه، ومع ذلك هو معهم بعلمه، هذا لا تعارض فيه البتة، فيجتمعان على الوجه المتقدم، وهذا سبق تقريره في الفصل السابق، أراد هنا أن يُبين أنه لا تَنَافي بين إثبات قربه من خلقه وبين علوه على خلقه فهو قريب منهم، وهو كذلك عالٍ على خلقه، ومستوٍ على عرشه، فلا تنافي بين إثبات القرب لله تعالى من الخلق وبين إثبات العلو، كما أنه لا تنافي بين إثبات المعية وبين إثبات العلو، والوجه الذي ييسر الأمر أن هذا وذاك جاء به الكتاب والسنة، وكل ما جاء به الكتاب والسنة وجب إثباته على الوجه اللائق به جل وعلا، ومعلوم أن الحق لا يتناقص، فمدام أن إثبات العلو جاء في الكتاب والسنة، وإثبات المعية جاءت في الكتاب والسنة، حينئذٍ لا تعارض بين الأمرين إذ كل منهما حقّ فنقول: سمعنا وأطعنا. وكذلك جاء إثبات صفة القرب لله عز وجل وأنه قريب من خلقه مع إثبات صفة العلو كذلك لا تنافي ولا تعارض، والذي يقع في نفسه التعارض حينئذٍ يكون هذا التعارض فرعًا عن التمثيل، فَمَثَّلَ أولًا ثم بعد ذلك وقع التعارض، لأنه أدرك من حال المخلوق أنه لا يكون قريبًا بعيدًا ولا يكون عاليًا معك، حينئذٍ [أثبت] مَثَّلَ أولًا ثم بعد ذلك نفى أو عارض بين الصفتين، وأهل السنة والجماعة أثبتوا كلًاّ من الصفتين، فقالوا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] . حينئذٍ لا تعارض ولا تناقض، إذ الكل من عند الله تعالى وهو حق ووجب الإيمان بكل منهما.