لا إشكال فيه هذا شروع منه في ذكر بعض الآيات الدالة على ذلك. قوله: {فَاعْبُدْهُ} أي أفرده بالعبادة ولا تعبد معه غيره وهذا أمر بإفراده سبحانه بالعبادة يستلزم النهي عن عبادة ما سواه، إذا أمر الله تعالى بالعبادة الأمر عند الأصوليين قاعدة وهي صحيحة ثابتة، الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، فإذا قال: اعبد الله. استلزم ماذا؟ النهي عن عبادة غير الله تعالى، أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: قوله: {فَاعْبُدْهُ} . قال بعض الشراح: يتضمن هذا غلط، لا نقول: يتضمن، إنما نقول يستلزم لأنها هي أقوال ثلاثة عند الأصوليين ومبناها مبحثٌ عقديّ كلام النفس وغيره، لكن عقيدة أهل السنة هنا نقول: يستلزم هذا الحق، ولا نقول يتضمن. حينئذٍ نقول: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده. قوله: {فَاعْبُدْهُ} هذا أمرٌ يقتضي الوجوب حينئذٍ يستلزم النهي عن ضده وهو الوقوع في الشرك أو عبادة غير الله تعالى ولذلك نقول: هذا أمرٌ بإفراده سبحانه بالعبادة يستلزم النهي عن عبادة ما سواه، وعبادته سبحانه وتعالى هي أعظم واجبٍ، والإشراك به هو أعظم محرمٍ على الإطلاق. وهذا محل اتفاق لا خلاف فيه بين المسلمين.
والعبادة لغةً الذل ويقال طريقٌ معبدٌ إذا كان مذللًا قد وطأته الأقدام، والعبادة شرعًا اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، يعني تكون بالقلب وتكون باللسان وتكون بالجوارح والأركان، كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، وفيها دليلٌ على أن العبادة تجب على كل مكلفٍ، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى الدرجات ما سقطت عنه العبادة، أليس كذلك؟ {فَاعْبُدْهُ} الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته تبعًا، أو الخطاب لكل مخاطبٍ ولا إشكال فيه، حينئذٍ نقول: فيها دليلٌ على أن العبادة تجب على كل مكلّفٍ، فكل مكلّفٍ هو دون النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا وجبت على النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا دون قيد حينئذٍ غيره مثله في الحكم، وأنه مهما بلغ فلن يصل إلى حدٍ تسقط عنه التكاليف الشرعية، ومن زعم ذلك فهو كافرٌ بالله العظيم، بل كفره معلوم من الدين بالضرورة، قال بأن التكاليف سقطت وصل ثم سقطت عنه الصلوات نقول: هذا كفرٌ، وردةٌ عن الإسلام. فإن قوله {فَاعْبُدْهُ} خطاب لنبيّه وأمته تَبَعٌ له، فإذا كان هذا في حقه - صلى الله عليه وسلم - فغيره من بابٍ أولى وأحرى.
الأول: الإخلاص وهو أن يكون العمل لله سبحانه وتعالى.