ثم قال رحمه الله تعالى: (لَيْسَ كَلامُ اللَّهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلا الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ) . هذا تفصيل كذلك لما سبق من باب التأكيد، فالقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني كما يقوله بعض المعتزلة، ولا المعاني فقط دون الحروف كما هو قول الأشاعرة ومن شابههم، وكلا القولين باطل مخالف للكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، فإن الأدلة دلت على أن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلامه سبحانه، لا تأليف مَلَك ولا بشر، وأن القرآن جميعه حروفه ومعانيه هو نفس كلامه، والذي تكلم به، وليس بمخلوق ولا بعضه قديم وهو المعنى، وبعضه مخلوق وهو الكلمات والحروف، يعني على قول الأشاعرة كونه معنى نفسي، إذًا هذا ليس بمخلوق والألفاظ مخلوقة، إذًا القرآن بعضه مخلوق وبعضه غير مخلوق، فالقرآن عندهم قرآنان، المعنى النفسي والألفاظ الدالة عليه، إذًا هما قرآنان: قرآن مخلوق، وقرآن غير مخلوق. وهم أحسن حالًا من ابن حزم الذي أثبت أربع قرآنات - على كلٍّ يرجع إليه -.
قال هنا: بل القرآن جميعه حروفه ومعانيه تكلم الله به حقيقةً، والقرآن اسم لهذا النظم العربي الذي بلَّغَهُ الرسول عن جبريل عن رب العالمين، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [النحل: 98] . فإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه، أليس كذلك؟ قال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} . القراءة وصف لفعل الإنسان، حينئذٍ {فَإِذَا قَرَأْتَ} إنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المحددة، وقال تعالى كما مر معنا كذلك: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] يعلمه ماذا؟ يعلمه هذا الملفوظ لا يعلمه المعاني، إذ لو كان علمه المعاني فعَبَّرَ عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَا كان فيه خلاف، لو كان القرآن هو المعنى لما اختلفوا أو ادَّعُو بأنه يعلمه ماذا؟ أعجمي، فأبطل سبحانه قول الكفار بأن اللسان الذي يُلحدون إليه أعجمي، ومعلوم أن القرآن لسان عربي مبين، فلو كان الكفار قالوا: يعلمه معانيه فقط لم يكن هذا ردًّا لقولهم، أليس كذلك؟ ما كان الله تعالى أبطل قولهم، فإن الإنسان قد يتعلم من الأعجمي شيئًا بلغة ذلك العجمي فيفهم منه المعاني، ويُعَبِّرُ عنه بعبارته، لو كان كذلك واعتقد الكفار المشركون ذلك لَمَا اعترضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَا عابوا عليه، وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه بشر، فأبطل الله ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، دل على أن الذي وصفه بأنه لسان عربي مبين بأنه هو القرآن لفظًا ومعنًى، على أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن، بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل من الله عُلِمَ أنه سَمِعَهُ ولم يؤلفه هو، وبذلك ثبت بأن القرآن كلام الله تعالى مُنَزَّلٌ من عنده غير مخلوق، وأن مُسَمَّى الكلام هو اللفظ والمعنى معًا.
ثم عقد رحمه الله تعالى فصلًا يتعلق برؤية الباري جل وعلا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.