الصفحة 451 من 883

الوجه الثاني: أن نقول: إن المثنى - قاعدة لغوية - أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير التثنيةٍ أو ضمير جمعٍ الأفصح جمعُه، المثنى إذا أضيف إلى ضمير التثنية أو ضمير جمعٍ فإنه يجوز جمعه أي: المثنى تخفيفًا بل هذا هو الأفصح، ويجوز فيه أن يبقى على تثنيته إذًا {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] أصلها يدان لَمَّا أضافها إلى (نا) حينئذٍ جمعها وهذا من باب مطابقة هذه القاعدة. ويجوز فيها أن يبقى على تثنيته وهذا أقل استعمالًا، ولذلك قال تعالى وهذا من ما ذكره أهل التفسير في قوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] . {تَتُوبَا} من؟ حفصة وعائشة، كم قلب لهما؟ قلبان، بإجماع العقلاء قلبان حينئذٍ قال {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . والأصل قلباكما، لكن لما كان مثنى قلبا وأضافه إلى التثنية ضمير التثنية كما حينئذٍ الأفصح أن يُجمع فيقال: قلوبكما.

هنا كذلك يدان فلما أراد إضافتها إلى المثنى قال: {أَيْدِينَا} .

إذًا فالمراد حينئذٍ بصيغة الجمع هنا المثنى لأن التثنية نُصّ عليها بخصوصها وبهذا يزول الإشكال في صفة اليد التي وردت بالإفراد والتثنية والجمع.

والحاصل أن الجمع بين المفرد والتثنية واضح لا إشكال فيه، لا تعارض بينهما لأن المفرد مضاف فيعم كل ما ثبت لله تعالى من يدٍ.

وأما بين التثنية والجمع فمن ثلاثة أوجه:

-أحدهما أنه لا يراد بالجمع حقيقة معناه وهو ثلاث فأكثر، بل المراد به التعظيم كما قال الله تعالى: {إِنَّا} ، و {نَحْنُ} ، و {قُلْنَا} . وما أشه ذلك وهو واحد جل وعلا، لكن هذا يكون لـ أو على جهة التعظيم.

-أو يقال: إن أقل الجمع إثنان فلا تعارضا.

-أو أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير تثنيةٍ أو إلى ضمير جمعٍ فالأفصح جمعه، وهذا واضحٌ بين.

ثم يقال في قوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} . ليس المراد أيدي هنا ذات اليدين، وإنما هو مراد به الذات المتصفة بصفة اليدين، يعني ليست هذه الآية من ما أريد بها الصفة ابتداءً وإنما أريد بها الذات المتصفة بصفة اليدين، كما مر معنا {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . قيل: إلا ذاته. قلنا: صحيح هذا المعنى صحيح، إلا ذاته المتصفة بصفة الوجه، حينئذٍ المراد باليد هنا في قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} . نفس الذات التي لها يدٌ، وقد قال الله تعالى - له نظير: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41] . {أَيْدِي النَّاسِ} إذًا لو كسب ألسنتهم ليس بداخلٍ، أرجلهم ليس بداخلٍ، قلوبهم ليس بداخلٍ، نقول: لا ليس المراد هنا {أَيْدِي} الصفة بذاتها وإنما المراد الذات المتصفة بصفة اليدين، فقوله: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} أي: بما كسبوا سواءٌ كان من كسب اليد أو الرجل أو اللسان أو غيرها من أجزاء البدن، لكن يعبر بمثل هذا التعبير عن الفاعل نفسه مع مراعاة الصفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت