ثم قال رحمه الله تعالى: مؤكدًا على ذلك المعنى بأنه يجب أن يُصَان. قوله: ( {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} ) عن الظنون الكاذبة بأن السماء تظله أو تقله بأن ذلك ممتنع عقلًا، قال فإن الله، الفاء للتعليل، فإن الله تعالى قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يُمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25] لما ذكر المصنف رحمه الله تعالى العلو والفوقية وأنهما حقيقةٌ ثابتةٌ لله على ما يليق بجلاله وعظمته، أورد بعد ذلك بعض الأدلة النقلية والعقلية في إثبات ذلك فقال: فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض. وسع مر معنا في تفسير آية الكرسي أي: ملأ وأحاط، والكرسي مخلوقٌ عظيم بين يديّ العرش، وهو أعظم من السماوات والأرض، الكرسي أعظم من السماوات والأرض، والله تعالى أعظم من العرش والكرسي فكيف يكون حالًا في السماوات؟ هذا لا يمكن أن يتصوره عقلٌ البتة، فحينئذٍ قال: والكرسي مخلوقٌ عظيمٌ بين يديّ العرش وهو أعظم من السماوات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيءٍ، وقد ذكر ذلك فإذا كانت السماوات والأرض بالنسبة للكرسي الذي هو بالنسبة إلى العرش شيءٌ صغير والله سبحانه وتعالى العظيم الأعظم الذي لا أجل منه ولا أعظم فكيف تحويه السماوات والأرض أو تحوطه أو تقله أو تظله. هذا لا يتصوره عقلٌ البتة.
فهذه الآية صريحةٌ في علو الله ومباينته لخلقه، وأنه غير مختلطٍ بهم ولا ممازجٍ لهم، ولا حالٌ فيهم تعالى الله عما يقولوا المبتدعة علوًا كبيرًا.
قوله: ًوهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا. أي: أن تضطربا عن أماكنهما فقوله: {وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ... [الحج: 65] . أي: إلا بأمره ومشيئته.