قال رحمه الله تعالى: (مِنْهُ بَدَا، وَإِلَيْهِ يَعُودُ) ، (مِنْهُ بَدَا) بَدَا الشيء بُدُوًا وبَدَاءً أي ظهر ظهورًا بَيِّنًا، بَدَا بدون همزة، بدأ يمكن حمله على وجهٍ ما، لكن بدا بمعنى ظهر وخرج، بَدَا الشيء بُدُوًا وبَدَاءً أي ظهر ظهورًا بَيِّنًا، ومنه {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] وأما بدأ أي قَدَّمَ. يقال: بَدَأْتُ بكذا أَبْدَأْتُ وابْتَدَأْتُ أي قَدَّمْتُ، والْبَدْء والابتداء تقديم الشيء على غيره ضربًا من التقديم، وإلى هنا لا يصح أن نقول: بدأ بهذا المعنى، التقديم لا يصح، ومبدأ الشيء هو الذي منه يتركب أو منه يكون فالحروف مبدأ الكلام على هذا المعنى يمكن والخشب مبدأ الباب والسرير، والنواة مبدأ النخل، والله تعالى مبدأ كلامه جل وعلا، لكن حمل اللفظ هنا بدون همزٍ هو الأولى (مِنْهُ بَداَ) أي ظهر وخرج منه سبحانه، أي هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، فمن قال: إنه مخلوقٌ يقول: إنه خُلِقَ في بعض المخلوقات القائمة بنفسها، بمعنى ماذا؟ أنه لما نادى الباري جل وعلا موسى عليه السلام وكان بجانب الشجرة فناداه قالوا: خلق الله تعالى كلامه في الشجرة. فسمع موسى من الشجرة، سمع ماذا؟ سمع كلام الله تعالى لكنه مخلوق. ولذلك قالوا: إنه خُلِقَ في بعض المخلوقات القائمة بنفسها، فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ ولم ينزل من الله تعالى، فإخبار الله أنه منزلٌ من الله يُناقض أن يكون قد نزل من غيره كما مر معنا، ولذلك نقول: ما أُثِرَ عن ابن عباس إما أنه لا يصح أو لا بد من توجيهه توجيهًا يوافق مذهب أهل السنة والجماعة: أن جبريل نزل بالقرآن من اللوح المحفوظ. أن القرآن نزل جملة واحدةً إلى اللوح المحفوظ، ثم أخذه جبريل من اللوح المحفوظ مُنجمًا. هذا لا يستقيم على مذهب أهل السنة والجماعة على ظاهره، ولذلك هذا الأثر لا يصح، إن صح لا بد من حمله على ما يوافق مذهب أهل السنة والجماعة. قال تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13] ، وقال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل: 102] .
وروى أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيءٍ أفضل مما خرج منه» ) . وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت، فلم تتقرب إلى الله بشيءٍ أحب إليه مما خرج منه.