قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولم يقل أحد من السلف إن القرآن مخلوقٌ أو قديم. وعنى بالسلف من؟ الصحابة ومن تبعهم من الأئمة، وأما من وجد في عهد ثلاثة القرون الثاني أو الثالث وقال: مخلوق. هذا ليس من السلف لأن المراد بالسلف من اتبع الصحابة، وهذا القول غير معروف، بل اعتقدوا ضده وهو أن كلام الباري جل وعلا صفةٌ من صفاته. قال: ولم يقل أحدٌ من السلف إن القرآن مخلوقٌ أو قديمٌ، بل الأثر متواترةٌ عنهم، لأنهم يقولون: القرآن كلام الله. ولا يزيدون يعني يكتفون بما ذُكِرَ في الكتاب، كلام الله القرآن كلام الله {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} إذا هذا كلام الله، زِيَدَ مُنَزَّلٌ غير مخلوقٍ مع أنها أوصاف دلت عليه النصوص كما مر زِيدَ في مقام الردّ على أهل البدع، ولذلك قال: يقولون القرآن كلام الله. يعني يكتفون إلى هنا. ولما ظهر من قال: إنه مخلوق. قالوا: ردًّا لكلامه إنه غير مخلوق. إذًا التصريح بهذا الوصف يكون في مقام الرد على أهل البدع، هذا المراد به، وكونه لا يطلق اعتقادًا - يعني في اللفظ - لا يُطلق إلا في مقام الردّ لا يلزم منه أن يكون معناه غير معتقد، بل يعتقده في قلبه لأنه صفةٌ من صفات الباري جل وعلا، وأول مَنْ عُرِفَ أنه قال: القرآن مخلوق. الجعد بن درهم كما سبق وصاحبه الجهم بن صفوان، وأول من عرف أنه قال: إنه قديم. هو عبد الله بن سعيد بن كُلاب. إذًا هؤلاء أهل البدع.
وأما أفعال العباد، إذًا عرفنا القرآن صفة الباري جل وعلا فإذا نطق به المخلوق وإذا كتبه بالمداد بالحبر، والحبر مخلوق، واللفظ أنت مخلوق، ولسانك مخلوق. إذًا كيف نعتقد ذلك قالوا: أفعال العباد كأصواتهم - ولا شك أن الصوت مخلوق - ومدادهم - يعني ما يكتب به - الذي يكتبون به القرآن، والورق الذي يكتبون عليه فإن ذلك من جملة المخلوق لا شك في ذلك، لا ندَّعِي أنه ليس بمخلوقٍ، بل هو مخلوق لأن القلم تكتب به، بل أنت الناطق وصوتك والقلم أنت لم تكن ثم كنت، ولذلك يقولون الكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ، وفي الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم» . إن صح قال: «بأصواتكم» . «زينوا قرآن بأصواتكم» . بأصواتكم أضافه لمن؟ للمخاطب، والمخاطب مخلوق.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وكذلك القرآن عين كلامه الْمَـ ... ـسموع منه حقيقةً ببيان
هو قول ربي كله لا بعضه ... لفظًا ومعنىً ما هما خلقان
تنزيل رب العالمين وقوله ... اللفظ والمعنى بلا روغان
لكن أصوات العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقان
رَق الورق {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} [الطور: 3]
فالصوت للقارئ ولكن الكلا ... م كلام رب العرش ذي الإحسان
إذًا أفعال العباد مخلوقة، فالصوت صوت القارئ، لكنما المتلو قول الباري هذه هي القاعدة.