الصفحة 715 من 883

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن فَهِمَ من هذه الأحاديث تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أُوتِي من جهله وسوء فهمه عن الله ورسوله، والله رسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، بل كل من فهم من الآيات السابقة في الصفات وكذلك الأحاديث المتعلقة بالصفات فهم غير ما أراده الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنما أوتي من جهله وسوء فهمه عن الله ورسوله وفساد عقله ومعتقده.

وفي هذا الحديث دليل على أن الإيمان يتفاضل يعني بعضه أفضل من بعض، ودليل على أن بعض خصال الإيمان أفضل من بعض.

وفيه دليل على أفضلية عمل القلب، لأن العلم هنا متعلق بالقلب، ودليل على أن أعمال القلوب داخلةٌ في مسمى الإيمان، وهذا لا يكاد يكون فيه نزاع إلا عند المخالفين.

وفيه الرد على من عزم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لقوله: ( «أَفْضَلُ الإِيمَانِ» ) .

وفيه دليل على أن الإحسان أكمل مراتب الدين، مراتب الدين ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان. أكملها هو الإحسان وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه فيستحضر قرب الله تعالى وإطلاعه وأنه بين يديه، وذلك يوجب الخشية والخوف والتعظيم، ويوجب النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها، فيجمع العبد بين الإيمان بعلو الله سبحانه وتعالى واستحضار قربه ولا منافاة بين الأمرين.

إذًا في هذا الحديث إثبات المعية لله عز وجل أنه مع خلقه بعلمه.

(وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ» ) ، يعني جهة القبلة ( «وَلَا عَنْ يَمِينِهِِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ) .

هذا إذا لم يكن في المسجد، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هذا الحديث الثالث عشر، وهو في إثبات القرب والإحاطة.

هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن جماعة من الصحابة منهم أنس وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ( «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ» ) ، ( «إِلَى الصَّلاةِ» ) هذا عام يشمل الفرض والنفل، ويشمل كذلك صلاة الْجِنَازة، فكل لفظ في الشرع جاء لفظ الصلاة دخل فيه جميع أنواع الصلاة، سواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود، أو لم تكن كذلك.

قوله: ( «فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ» ) . يبصق أي يتفل، والبصاق والبذاق لغتان، والبصاق بالصاد لغة قليلة، ( «قِبَلَ وَجْهِهِ» ) ، ( «قِبَلَ» ) بكسر القاف وفتح الباء، أي مواجِهة وَجْهِهِ، أي أمامه، يعني جهة القبلة، قوله: ( «وَلا عَنْ يَمِينِهِِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ» ) . الفاء هنا للتعليل، و (إن) للتعليل لأنه كما مر معنا مرارًا أن (إن) وكذلك (الفاء) بعد الأمر أو النهي أفادت التعليل كأنه قال: فلا يبصقن قبل وجهه لأن الله. فجاء بـ (إن) الدالة على التعليل، ( «وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ) كما عرفنا هذا إذا لم يكن في المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت