في هذا الحديث فوائد: فيه دليل على قرب الله سبحانه وتعالى وإحاطته كما يليق بجلاله وعظمته كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ} [البروج: 20] . فإذا كان محيطًا بالعالم فهو فوقه بالذات عالٍ عليه من كل وجه وبكل معنى، فالإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة، وإحاطته سبحانه بخلقه لا تنافي مباينته، يعني أنه ليس داخل الكون، ولا تباين كذلك علوه على مخلوقاته، بل هو سبحانه فوق خلقه محيط بهم مباين لهم، والإحاطة بهذا اللفظ فيما ذُكِرَ من النصوص كما في قوله جل وعلا: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [فصلت: 54] . وفي قوله: {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} [النساء: 126] . هذه فسرها أهل السنة والجماعة بأربعة معانٍ إذا جاءت الإحاطة بهذا اللفظ حينئذٍ تفسر بأربعة معان:
فسرت الإحاطة: بإحاطة العلم، والسعة، والقدرة، والشمول.
فقوله: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} . أي بعلمه وقدرته وسعته وشموله، فهذه أربعة معانٍ: العلم، والسعة، والقدرة، والشمول. وإحاطته جل وعلا بجميع خلقه تقتضي علوه جل وعلا، فكون المصلي يصلي ويكون الله تعالى قِبَل وجهه حال الصلاة، وهذا لأجل أن الله تعالى محيط بكل شيء وهو جل وعلا عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، ومع ذلك هو قِبل المصلي حين الصلاة، وذلك لإحاطة جل وعلا بكل شيء، وهذا تفسير للحديث، فالله تعالى أمام المصلي لكونه محيطٌ بكل شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكذلك العبد إذا قام يصلي فإنه يستقبل ربه وهو فوقه. يعني نأتي بالألفاظ كما هي في الكتاب والسنة فنؤمن بأن الله تعالى عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، بأنه لم يكن شيءٌ من ذاته داخل الكون، ومع ذلك هو أمام المصلي، أدركنا ذلك بعقولنا أم لا؟ وجب التسليم.
قال رحمه الله تعالى: وكذلك العبد إذا قام يصلي فإنه يستقبل ربه وهو فوقه - يعني الله عز وجل - فوقه فيدعوه من تلقائه لا عن يمينه ولا عن شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل - يعني القلب يتعلق بماذا؟ بالعلو - كما إذا قُدِّرَ أنه يخاطب القمر، فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه. انتهى كلمه رحمه الله تعالى.
والأدلة المتواترة تفيد علو الله تعالى واستواؤه على عرشه.
وفي هذا الحديث إشارةٌ للندب إلى استحضار قربه سبحانه وتعالى ومعيته في حال العبادة، فإن ذلك يوجب الخشية والخوف من الله، ويدعو إلى إتمام العبادة على الوجه اللائق.
وفيه دليل على القيام في الصلاة - إذا قام إلى الصلاة - وأن العمل اليسير لا يبطل الصلاة لأنه قال ماذا؟ يبصق ( «عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ) وهذا عمل يسير.
وفيه دليل على جواز البصاق وهو يصلي.
وفيه دليلٌ على الندب إلى إزالة المستقذر أو ما يَتَنَزَّه عنه من المسجد.
وفيها كذلك أن النفخ والتنحنح في الصلاة جائزان، يعني إذا بصق هذا لا بد وقد يكون فيه ثم نخامة لا بد أن يقع معه شيء من ذلك.
وفيه النهي عن البصاق قبل وجهه، والنهي يقتضي التحريم، والنهي عن البصاق عن يمينه تشريفًا لها. وفي البخاري: «ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكين» .