الصفحة 462 من 883

قال شيخ الإسلام: وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، فلو قال في قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] كيف يسمع؟ وكيف يرى؟

لقلنا: السمع، والرؤية. معلومٌ والكيف مجهولٌ، قاعدة عامة، ولو قال: كيف يتكلم. لقلنا: الكلام معلومٌ، والكيف مجهولٌ، .. وهكذا.

قال المصنف رحمه الله تعالى (وقولِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] ) أي أما علم هذا الناهي عن الهدى أن الله تعالى يراه ويسمع كلامه وسيجازيه على فعله أتم الجزاء. وهذا وعيد، وفي هذه الآية إثبات صفة الرؤية لله عز وجل فهو يرى. إذًا له عين ويرى بماذا؟ بهذه العين، إذًا لو فسرنا العين بالرؤية هناك لكان ماذا؟ لقلنا هناك فيما سبق قلنا: التحريف لو فسرنا العين بالرؤية فقط دون إثبات العين. لقلنا: هذا تحريف للصفة. لأنهما صفتان العين، والرؤية فلا نفسر العين بالرؤية، نقول: هي نفسها وإنما نقول: تتضمن الرؤية.

وفي هذه الآية إثبات صفة الرؤية لله عز وجل.

والرؤية المضافة إلى الله لها معنيان، لأن (رأى) في لسان العرب تأتي بمعنى العلم وتأتي بمعنى البصر، يعني الرؤية علمية ورؤية بصرية، فما احتمل اللفظ لهما حملت عليهما، وما احتمل أحدهما العلمية دون البصرية أو البصرية دون العلمية حينئذٍ تعين تفسيرها بذلك.

المعنى الأول العلم.

المعنى الثاني رؤية المبصرات. يعني: إدراكها بالبصر.

فمن الأول قوله تعالى عن القيامة: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6، 7] يعني: نعلمه، رأى هنا بمعنى ماذا؟ بمعنى العلم، لأن رأى فلسان العرب تأتي علمية، فالرؤية هنا رؤية العلم لأن اليوم ليس جسمًا يُرى، وأيضًا هو لم يكن بعد وهذا التوجيه الثاني أحسن، فمعنى {وَنَرَاهُ قَرِيبًا} أي نعلمه قريبًا.

وأما قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فهي صالحةٌ للنوعين، لأن تكون بمعنى العلم وبمعنى الرؤية البصرية، وإذا كانت صالحة لهما على القاعدة العامة التي مرت معنا: أن اللفظ في القرآن إذا احتمل عدت معاني ولا تنافي بينهم وجب حمل اللفظ على هذه المعاني كلها. وإذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما وجب أن تحمل عليهما جميعًا، فيقال إن الله يرى أي: يعلم هذه رؤية علمية، يعلم ما يفعله هذا الرجل وما يقوله، ويراه أيضًا رؤية بصرية.

قال المصنف رحمه الله تعالى وقوله: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء: 217 - 219] ، {يَرَاكَ} أي يُبصرك وينظر إليك، لا تخفى عليه خافيةٌ فتوكل عليه فإنه سيحفظك وينصرك ويعزك، وتضمن ذلك الوعد بالإثابة على ذلك أتم الثواب، {حِينَ تَقُومُ} أي يراك حين تقوم للصلاة وغيرها {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أي يرى تقلبك في الساجدين من قيامٍ وقعودٍ وركوعٍ وسجودٍ، ففيه فضيلة صلاة الجماعة، لأنه قال ماذا: مع الساجدين.

والرؤية هنا رؤية البصر، ولا يصح أن تكون بمعنى العلم لماذا؟ لأن الله يعلم به حين يقوم وقبل أن يقوم، فليس ثم مَزِيّةٌ لفعله، وأيضًا لقوله: ... {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} وهو يؤيد أن المراد بالرؤية هنا رؤية البصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت