استفيد من هذه الآيات إثبات صفة السمع والبصر، واثبات علمه المحيط، واستفيد منه كما تقدم الإشارة إلى فضيلة السمع على البصر بتقديمه عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] ) أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين اعملوا ما شئتم، من باب التهديد واستمروا على باطلكم ولا تَحْسِبُوا أن ذلك سيخفى عليه جل وعلا، وهذا وعيدٌ شديد لمن خالف أوامره ... ( {فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} ) أي سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا وهذا وعيدٌ للمخالف أوامره بأن أعمالهم سيتعرض عليه وعلى الرسول وعلى المؤمنين، وهذا كائنٌ لا محالة يوم القيامة، كما قال سبحانه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] ، وقال: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} ... [الطارق: 9] . وقد يُظْهِرُ الله ذلك للناس في الدنيا كما روى الإمام أحمد عن أبي سعيدٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «لو أن أحدكم يعمل في صخرةٍ صماء ليس لها بابٌ ولا منفذٌ لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كانوا» . والرؤيةُ هنا شاملةٌ للعلمية والبصرية، تشمل النوعين، ففي الآية إثبات الرؤية بمعنييها الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
وفي هذه الآية إثبات الكلام، وفيها دليلٌ على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب وقيامها به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله: ( {فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} ) وقوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة: 143] . أي لنرى أو لنميّز. يعني العلم كما مر معنا قد يقال بأنه علمٌ سابق قبل وقوع الحدث، ثم بعد وقوعه يتجدد علمٌ آخر ليس هو العلم السابق، يعلم الباري أنك ستصلي العشاء، ثم تقع الصلاة فيعلمه علمًا غير العلم السابق، فرقٌ بين النوعين ولذلك قال: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} هو يعلم سابقًا، لكن ثم علمٌ آخر وهو تجدد العلم.
الثاني هو الذي تقع أو يقع عليه الثواب والعقاب، وأما السابق فلا.
قال شيخ الإسلام قوله: ( {فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} ) وقوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} . أي لنرى أو لنميّز وهكذا قال عامةُ المفسرين إلا لنرى أو نُمَيِّز، وكذا قال جماعةٌ من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد عُلِمَ أنه سيكون. واضح؟ لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد عُلِمَ أنه سيكون، عَلِمَ أولًا أنه سيكون، ثم إذا وُجِد ووقع علم وجوده جل وعلا، هذا المراد. ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين:
علمٌ بالشيء قبل وجوده.
وعلمٍ به بعد وجوده. هذه العبارة واضحة
علمٍ بالشيء قبل وجوده