قال هنا: وذكر بعض العلماء أن الذين يسألان المؤمن اسمهما البشير والمبشر، والأول هو الصحيح أنه منكر ونكير إن سلمنا بالأخذ بالحديث الضعيف في مثل هذا المقام. أما الملكان فهذان ثابتان ولا إشكال فيه، إنما الكلام في ماذا؟ في الاسمين، ثم هذان الملكان هل هما ملكان جديدان موكلان بأصحاب القبور أو هما الملكان الكاتبان عن اليمين وعن الشمال قعيد؟ الجواب الله أعلم، وإنما جاء ماذا؟ أنهما ملكان، هل هما ملكان مخلوقان لهذه الوظيفة ولم يكن لهما سابق عملٍ مع المسئول، أو أنهما اللذان يكتبان؟ نقول: هذا يحتمل هذا وذاك وأما التحديد فيحتاج إلى نصٍ الأدلة مجملة مطلقة.
قوله: (فَيُقَالُ للرِّجُلِ) ماذا؟ (مَن رَّبُكَ؟) كما أخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [إبراهيم: 27] الآية. ... «نزلت في عذاب القبر» . نزلت هذه الآية في عذاب القبر زاد مسلم ... «فيقال له: من ربك؟» إذًا هذه الرواية في (( صحيح مسلم ) ) «فيقال له» أي للمسئول «من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبي محمد، فذلك» أي ذلك القول {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} الآية، فدل ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسَّر الآية بأن التثبيت هنا هو إجابة المسئول، إذا قيل له: «من ربك؟ فيقول: ربي الله» ، وإذا قيل له: «من نبيك؟ فيقول: محمد» . وإذا قيل له: «ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام» إذا أجاب هذا الجواب الصحيح ثبته الله تعالى وهذا تفسيرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب قبوله.
وفي (( الصحيحين ) )من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم أتاه ملكان» أطلق لم يُسمهما «أتاه ملكان» والتثنية هنا تخصيص يعني لا ثلاثة ولا واحد، أليس كذلك؟ فالتثنية هنا مقصودة «أتاه ملكان فيقعدانه» والله أعلم كيف يقعدانه، «فيقولان ما كنت تقولُ في هذا الرجل» يعني محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، «فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له: انظر مقعدك من النار وقد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة قال فيرهما جميعًا» يعني المقعدين، وهو في قبره كيف؟ الله أعلم بذلك. قال قتادة: ذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره، ذُكِرَ لنا، «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما تقول في الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْت ويضرب بمطراقٍ من حديد ضربةً فيصيح صيحةً يسمعه من يليه غير الثقلين» . إذًا المؤمن يُثَبَّثُ بالقول الثابت، والكافر والمنافق حينئذٍ يقال له: «لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْت» . لَمَّا يُسأل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقُلْتُه» .