الثاني: أن يقال كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا ومماثلًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تَنَقُّص بحق الخالق فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، فمن سوَّى بينهما في الصفات حينئذٍ شَبَّهَ الكامل من كل وجهٍ بالناقص من كل وجهٍ.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، المخلوقات قد تتحد في الأسماء وحينئذٍ يكون الاشتراك في الاسم وفي أصل المعنى، وأما ما أضيف إلى كل ذاتٍ فينفصل عن الذات الأخرى، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل مع الاتفاق في الاسم فهذه يدٌ وهذه يدٌ، وهذه قوة وهذه قوة وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعُلِمَ بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة. فالْمُمَثِّلَة إنما وقعوا فيما وقعوا فيه لأنه لَمَّا أضيفت اليد للخالق جل وعلا ومعلوم أن المخلوق له يدٌ فحينئذٍ لم يفهموا من يد الله عز وجل إلا هذه اليد التي يرونها ويشاهدونها، بناء على ماذا؟ على أن الاسم واحد، حينئذٍ نقول: الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في الحقائق. فنجد يدًا للبعير، ونجد يدًا للنملة، ونجد يدًا للذبابة، ونجد يدًا للإنسان، وحينئذٍ الأسماء متفقة والحقائق مختلفة.
إذًا التباين في الصفات ما يضاف إلى خالق جل وعلا وما يضاف إلى المخلوق وإن اشتركت في الاسم اللفظ وفي أصل المعنى الذي هو القدر المشترك لا يلزم من ذلك أنها تكون في الكيفية والحقيقة كذلك متفقة، والتشبيه كالتمثيل كما مر معنا وقد يُفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .
وأما التكييف - كما مر معنا - فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يُقيدها بمماثل، أو قيدها بمماثل. لكن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما عطف التمثيل على التكييف دل على أنه أراد به ماذا؟ ألا يُقَيِّدها بمماثل، وإلا التكييف عام، ولذلك كل ممثل مُكَيِّف من غير عكس، كل ممثل مكيف ولا عكس، لماذا؟ لأن التكييف أعم بمعنى أنه قد يُكيف هذه الصفة على حسب ما يشاهده في الخارج، فحينئذٍ يكون مُقيِّدًا، وقد يطلق بحيث إنه يكيف الصفة على مثال في الذهن لا وجود له في الخارج، ومراد شيخ الإسلام الثاني لأنه قال: من غير تكييف ولا تمثيل، عطف التمثيل على التكييف، ولا مانع أن يقال أنه أراد الاثنين فيكون التمثيل حينئذٍ من باب التأكيد أو من باب عطف الآحاد على ما هو أعم من ذلك.