الصفحة 179 من 883

ثم بين المصنف رحمه الله تعالى علة ذلك بقوله: (أَنَّهُ) لماذا لا ينفون ولا يحرفون .. إلى آخره؟ قال: (لأَنَّهُ) اللام للتعليل (لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ، ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) أربعة ألفاظ أشبه ما يكون بالترادف بينها يعني متقاربة المعاني (لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ) ، (سُبْحَانَهُ) هذا اسم مصدر، المراد به التنزيه وهو مفعولٌ مطلق يعني لا يُعرب إلا مفعولًا مطلقًا، والعامل فيه محذوف واجب الحذف نُسَبِّحُ (سُبْحَانَهُ) . أي نُنَزِّهُ الله تعالى عن النقائص، (لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ) أي لا نظير له كما قال سبحانه: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وهذا اللفظ الذي ذكره ابن تيمية دليله قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وهو قد ذكر النفي، لماذا؟ لأن هل هنا بمعنى النفي، الاستفهام هنا ليس المراد به الاستخبار وإنما المراد به النفي ... {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي من يُسَامِيهِ أو يُمَاثِله ويروى عن ابن عباس: مثيلًا أو شبيهًا. والاستفهام بمعنى النفي مُشْرَبٌ معنى التحدي كأنه يقول: إن كنت صادقًا فأتني بسمِيٍ له، وعلى هذا فـ {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أبلغ من قوله: (لاَ سَمِيَّ لَهُ) ، قوله: (وَلاَ كُفْءَ لَهُ) أي لا مثل له سبحانه. قال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} قوله: (وَلاَ نِدَّ لهُ) أي لا شبه له ولا نظير. قال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} [البقرة: 22] جمع ندٍّ، وهذه الثلاثة السمي والكفء والند معناها متقارب جدًا، لأن معنى الكفء الذي يكافئه ولا يكافئ الشيء الشيء إلا إذا كان مثله، فإن لم يكن مثله لم يكون مكافئًا، إذًا (لاَ كُفْءَ لَهُ) أي ليس له مثيلٌ سبحانه وتعالى، وهذا النفي في الأربعة مواضع المراد به إثبات الكمال، يعني لا يُنفى عن الله عز وجل شيءٌ إلا أريد أن يُثبت كمال ضده، وسيأتي بحثه في محله.

إذًا هذا النفي المقصود منه كمال صفاته، لأنه لكمال صفاته لا أحد يماثله.

قوله: (ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) أي لا يُمَثَّلُ بهم ولا يُشَبَّه (لاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) يعني لا يمثل به ولا يشبه يعني من جهة أهل السنة والجماعة، والقياس اللغة التمثيل. قال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74] . فلا يقاس سبحانه بخلقه في أفعاله ولا في صفاته، فلا يقاس بهم في ذاته، فكل صفات الله تعالى يمكن أن تقاس بصفات المخلوقين لما مر معنا أن ظهور التباين عظيم بين الخالق والمخلوق له أثرٌ في الصفات، فحينئذٍ إذا أضيفت الصفة إلى ذات الخالق جل وعلا فهي إضافةٌ تليق به، وإذا أضيفت إلى المخلوق فهي إضافةٌ تليق به. وقوله: (لاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) في عموم نفي القياس، وفيه تفصيل، لأن القياس ثلاثة أنواع وهما اثنان عند المتكلمين: قياس الشمول، وقياس تمثيل، وقياس الأولى والثالث هذا مستثنى، والبحث فيه يطول، يأتي في الدرس القادم بإذن الله تعالى.

والله أعلم.

وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت