هكذا رواه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم، وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره، وقد رُوِيَ عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا.
إذًا هذا الذي ذكره رحمه الله تعالى لم يكن من تلقاء نفسه، وإنما هو نص حديث ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله: لم يزل عليك من الله حافظ. أي يحفظه من الشياطين وغيرهم، وفي رواية: إذا قُلْتَهُنَّ لم يقربك ذكر ولا أنثى من الإنس ولا من الجن. وفي حديث علي رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قرأها» . يعني آية الكرسي، «حين يأخذ مضجعه أَمَّنَهُ الله على داره ودار جاره وأهل دُوَيْرات حوله» . رواه البيهقي في شعب الإيمان، وفيه كلام.
قوله: الشيطان. الشيطان يطلق على كل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، من شَطَنَ: إذا بَعُدَ، أي اشتقاقه شيطان، إما من شَطَنَ إذا بَعُدَ لبعده عن رحمة الله، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا هلك واحترق، وإذا جاء في القرآن حينئذٍ نقول: هذا وذاك يحتمل، ويحمل على المعنيين.
في هذا الحديث فضل آية الكرسي، وعظم منفعتها، وتأثيرها العظيم في التحرز من الشيطان، وذلك لما اشتملت عليه من العلوم والمعارف، ولذلك إذا قرأها الإنسان كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في (( الفرقان ) ): إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها. أبطلتها مثل ماذا؟ مثل من يدخل النار بحال الشيطان، إذا رأيت من يتلبس بدارك فقرأ آية الكرسي حينئذٍ تقلب الشأن عليه، أو يحضر المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلامًا لا يعلم وربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه إلى غير ذلك من الأحوال الشيطانية فأهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذُكِرَ عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي، أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في (( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) ).
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك ساردًا بعض الآيات المشتملة على بعض الأسماء، أسماء الباري جل وعلا الدالة على الصفات، وبعض الصفات التي جاء النص عليها.