وكذا مكتبة المسجد؛ وهي غرفة تبنى في رحبته غالبًا، فلها حكم المسجد إن كان بابها في وسط المسجد، فتشرع تحية المسجد لمن دخلها، ويصح الاعتكاف فيها، فإن كان بابها خارج المسجد فليست منه، وكذا لو كانت خارج سور المسجد، بأن بنيت بجواره وفتح لها باب إلى المسجد فإنها لا تكون منه [1] .
وقد ورد في بناء المساجد أو المساهمة في بنائها أدلة كثيرة، تدل على أن ذلك من أجل الطاعات، وأفضل القربات؛ لأن المساجد بيوت الله تعالى، وهي الوسيلة لإقامة صلاة الجماعة، ولها وظائف عظيمة في نظر الإسلام.
قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [2] .
وقوله: {يعمر مساجد الله} شامل للعمارة بالبناء والعمارة بالعبادة؛ لأن باني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه، فهو يعمر المسجد لطاعة الله تعالى.
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة"وفي رواية:"بنى الله له مثله في الجنة" [3] .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال:"من بنى لله مسجدًا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة"وفي رواية:"ولو كمفحص قطاة" [4] ، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - بلفظ:"كمفحص قطاة أو أصغر. ." [5] .
ومفحص القطاة: هو الموضع الذي تفحص التراب عنه، أي: تكشفه وتحيه لتبيض فيه [6] . وخصّ القطاة بهذا؛ لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل، إنما تجعل مجثمها على بسيط من الأرض. فلذلك شبه به المسجد [7] .
(1) أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية (2/ 79) ، فتاوى ابن عثيمين (14/ 351) ، أحكام المساجد في الإسلام (2/ 59) .
(2) سورة التوبة: الآية 18.
(3) أخرجه البخاري (450) ومسلم (533) .
(4) أخرجه البزار (260 مختصر زوائده) والطبراني في الصغير (2/ 120) وابن حبان (4/ 490) وابن أبي شيبة (1/ 310) . وهو حديث صحيح.
(5) أخرجه ابن ماجه (738) وابن خزيمة (2/ 269) ، قال في الزوائد (1/ 261) :"هذا إسناد صحيح. . .".
(6) انظر: أساس البلاغة ص (335) .
(7) انظر: حياة الحيوان الكبرى (2/ 255) .