فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 228

فتأمل أولًا كيف جعل ابن مسعود - رضي الله عنه - الصلاة في البيوت وترك المساجد تركًا للسنة، وترك السنة ضلال وانحراف. ومثل هذا لا يقال بالرأي، ولا ضلال إلا بترك شعيرة من شعائر الدين، مما يدل على أن المساجد من أعظم شعائر الدين، وأنها ما بنيت إلا ليصلي فيها.

ثم تأمل ثانيًا: كيف أجمع الصحابة - رضي الله عنهم - على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق، حيث قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) ولا يوصف بالنفاق من ترك سنة، بل من ترك فريضة أو فعل محرمًا [1] .

ثم تأمل ثالثًا: تعظيم الصحابة - رضي الله عنهم - لأمر الجماعة حيث إن الرجل المريض يؤتى به وقد مسك رجلان بعضديه حتى يقام في الصف، مما يدل على تأكيد صلاة الجماعة وتحمل المشقة في حضورها. وإذا كان هذا في حق المريض، فكيف يكون الحكم في حق المعافى الآمن الذي يتقلب صباح مساء في نعم الله تعالى، ثم يقابل ذلك بالتخلف عن صلاة الجماعة، فهل هذا من الشاكرين؟

وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - تفضيل صلاة الرجل في المسجد جماعة على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك ما يرويه لنا أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه! ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" [2] .

وهذا أجر عظيم، وثواب جزيل، لا يفرط فيه ويكتفي بدرجة واحدة إلا محروم اتبع هواه، وزهد فيما عند الله من الأجر، نسأل الله السلامة. وهذه المضاعفة لصلاة الجماعة في المسجد لأوصاف ثلاثة دل عليها الحديث:

الوصف الأول: إحسان الوضوء، وذلك - والله أعلم - بأن يتوضأ كوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(1) انظر كتاب الصلاة لابن القيم ص (120) .

(2) أخرجه البخاري رقم (620) ، ومسلم رقم (649) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت