الثالث: قال بعض الناس في جوابه: إنَّ كلَّ عضو من أعضاء العبد، وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه، واستضعف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الجواب جدًا وهو كما قال:"فإن الإنسان اسم للجملة، لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه"والقائل إذا قال:"اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني"سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظه، فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع، أي: نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك، ولهذا لو قال أنا وحدي مملوكك استدعى مقته، فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم، لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدا وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك، ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله، وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم [1] .
4 -فإن قيل: لم قدم الحمد والثناء على الدعاء؟
والجواب: لأن تلك السُّنّة في الدعاء، وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة [2] . فقد روى أحمد وغيره عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَجِلَ هَذَا"ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ" [3] .
(1) - بدائع الفوائد لابن القيم (2/ 40)
(2) - التسهيل لابن جزي (1/ 65)
(3) - رواه أحمد (23937 - أرنؤوط) وأخرجه أبو داود (1481) عن الإمام أحمد، به. وأخرجه الترمذي (3477) ، وأخرجه النسائي 3/ 44، والبزار في"مسنده" (3748) ، وابن خزيمة (710) ،، وابن حبان (1960) ، والطبراني في الكبير"18/ (791) و (793) ، والحاكم 1/ 230 و 268، والبيهقي 2/ 147 - 148. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح،"
قال السندي: قوله:"عَجِل هذا"أي: في الدعاء حيث أَتى به قبل الحمد والصلاة، وحقُّه أن يكون بعدهما.