5 -في الآية تعدى الفعل [اهدنا] بنفسه دون حرف [إلى] .
وذلك: أن الفعل من الهداية يتعدى بنفسه تارة كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2] ويتعدى بحرف [إلى] تارة كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وباللام تارة كقوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] . وفعل الهداية متى عدى بـ [إلى] تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة، فأتى بحرف الغاية، ومتى عدى باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت: هديته لكذا، فهو معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ... ونحو هذا، وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله، وهو التعريف والبيان والإلهام. أ هـ [1]
6 -حقيقة الصراط المستقيم شيء واحد:
وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا، وهو"إفراده سبحانه بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة"فلا يشرك به سبحانه أحدًا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول، وهذا معنى قول بعض العارفين:"إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته"وهذا كله مضمون شهادة"أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"فأي شيء فُسِّر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين [2]
7 -أنواع الهداية أربعة:
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجماد المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها وكذلك كل عضو له هداية تليق به فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل،
(1) - بدائع الفوائد لابن القيم حـ 2 ص 253: 252. بتصرف يسير.
(2) - بدائع الفوائد لابن القيم (2/ 40)