والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا، فتأمل ذلك. فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم، بخلاف المغضوب عليهم فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم. أهـ [1]
6 -ما فائدة زيادة [لا] بين المعطوف والمعطوف عليه؟ ففي ذلك أربع فوائد:
أحدها: أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه (غير) فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها بـ (لا) مع الواو، فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين، أو غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
الفائدة الثانية: أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين، وبين كل نوع بمفرده، فلو لم يذكر (لا) وقيل: غير المغضوب عليهم والضالين، أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده، فإذا قيل ولا الضالين كان صريحًا في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء.
وبيان ذلك أنك إذا قلت ما قام زيد وعمرو، فإنما نفيت القيام عنهما، ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده.
الفائدة الثالثة: رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم، وأنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال، ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض، نحو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1 - 3] إلى آخرها فإن هذه صفات المؤمنين، ومثل قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى *الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 - 3] ... ونظائره.
فلما دخلت (لا) علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر [2] .
7 -فإن قيل: لماذا قال (ولا الضالين) ولم يقل"غير الضالين"
فالجواب: (لا) أولى بهذا المعنى من (غير) لوجوه:
أحدها: أنها أقل حروفًا. الثاني: التفادي من تكرار اللفظ. الثالث: الثقل الحاصل بالنطق بـ (غير) مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة، ولا ريب أنه ثقيل على اللسان. الرابع: أن (لا) إنما يعطف بها بعد النفي، فالإتيان بها مؤذن بنفس الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم، كما نفى عنهم الضلال، و (غير) وإن فهمت هذا فـ (لا) أدخل في النفي منها .... أ هـ [3]
8 -فإن قيل: لم أتى في أهل الغضب باسم المفعول، وفي الضالين باسم الفاعل؟
(1) - بدائع الفوائد (2/ 18 - 20) بتصرف يسير
(2) - بدائع الفوائد حـ 2 ص 263، 264
(3) - بدائع الفوائد حـ 2 ص 264