فجوابهما ظاهر، فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه، فهم مغضوب عليهم، وأما أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه، ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أن يقال: ولا المضلين مبنيًا للمفعول، لما في رائحته من إقامة عذرهم، وأنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم بل فعل فيهم. أ هـ [1]
9 -وتأمل كيف قال: المغضوب عليهم ولا الضالين، ولم يقل اليهود والنصارى، مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريدًا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل، لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال، فلا يثبت لمغضوب عليه ولا لضال، فتبارك من أودع في كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد [2] .
10 -ٌفإن قيل لِمَ خَصَّ اليهود بالغضب والنَّصارى بالضلال؟
فالجواب: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَإِنْ كَانُوا ضَالِّينَ جَمِيعًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَإِنَّ الْغَضَبَ إِنَّمَا خُصَّ بِهِ الْيَهُودُ، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيُنْكِرُونَهُ، وَيَأْتُونَ الْبَاطِلَ عَمْدًا، فَكَانَ الْغَضَبُ أَخَصَّ صِفَاتِهِمْ. وَالنَّصَارَى جَهَلَةٌ لَا يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، فَكَانَ الضَّلَالُ أَخَصَّ صِفَاتِهِمْ [3] وجاءت آيات القرآن تصف كلا منهما بالوصف اللائق به.
وقال ابن كثير: طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليهم
11 -لم قدم"المغضوب عليهم"على"الضالين"؟
تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه:
أحدها: أن اليهود متقدمون على النصارى في الزمان.
الثاني: أنهم كانوا الذين يلون النبي - صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه، ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة (البقرة والمائدة وآل عمران) .. وغيرها من السور.
الثالث: أن اليهود أغلظ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة، فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم، والبعد منها أحق وأهم بالتقديم، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.
(1) - بدائع الفوائد حـ 2 ص 263 بتصرف يسير
(2) - بدائع الفوائد حـ 2 ص 255، 254 بتصريف يسير
(3) - تفسير أضواء البيان للشنقيطي (1/ 9)