الرابع: وهوأحسنها، أنه تقدم ذكر المنعم عليهم، ومعنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديرا بأن يوضع في مقابلته قبل الضالين، والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله. أ هـ [1]
12 -فإن قيل: لم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (لا المغضوب عليهم) ؟
فيقال: لا ريب أن"لا"يعطف بها بعد الإيجاب، كما تقول: جاءني زيد لا عمرو، وجاءني العالم لا الجاهل، وأما (غير) فهي تابع لما قبلها، وهي صفة ليس إلا. وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف، وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع، والوصف، فتقول: لو أخرج الكلام مخرج العطف، وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم، لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم، كما هو مقتضى العطف، فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل، لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم وأما الإتيان بلفظ (غير) فهي صفة لما قبلها، فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين:
أحدهما: أنهم منعم عليهم، والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم، فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم، فإنه يتضمن صفتين ثبوتية هي كونهم منعمًا عليهم، وصفة سلبية: وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب، وأنهم مغايرون لأهله.
ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم، ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء، لأنه يزول منها معنى الوصفية المقصود، وفيها فائدة أخرى: وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام، فكأنه قيل لهم: المنعم عليهم غيركم لا أنتم، وقيل للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة ... فتأمله.
13 -دلت هذه الآية الكريمة على أن المكلفين ثلاث فرق: أهل الطاعة، وإليهم الإشارة بقوله:"أنعمت عليهم"وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله"غير المغضوب عليهم"، وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله"ولا الضالين" [2]
وقال في البحر المديد ما نصه: واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدَّهم للكرم والإحسان، ليُظْهِرَ فيهم اسم الكريم أو الرحيم، وهو المنعم عليه بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب عليهم والضالون عن طريق الحق عقلًا
(1) - بدائع الفوائد حـ 2 ص 262 بتصرف
(2) - التفسير الكبير حـ 1 ص 223