هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأى - لأننا وجدنا كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، لم تقتصر على ذِكْر ما رُوِىَ عن النبى صلى الله عليه وسلم وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين في التفسير كالحسن البصري وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم ومجاهد وقتادة وغيرهم.
أما تفسير القرآن بالقرآن. أو بما ثبت من السُّنَّة الصحيحة، فذلك مما لا خلاف في قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف. ولا يجد الشك إليه سبيلًا.
وأما ما لم تصح نسبته إلى النبى صلى الله عليه وسلم لطعنٍ في السند أو المتن فذلك مردود غير مقبول.
وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، ففيه ما ثبت عنهم بالسند الصحيح , وفيه ما نقل عنهم بالسند الضعيف, بل وفيه ما نسب إليهم كذبًا وليس من كلامهم. وقيَّض الله تعالى من العلماء مَن بيّن الصحيح من السقيم, وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطًا في كثير من الكتب التى عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال ولم يكن عندهم مَلَكة التحري. ولذلك ستجد كثيرًا ما يذكر بعض المفسرين في كتبهم آثارًا -لا تثبت- وقد يغتر الجاهل بكثرة ورودها في هذه الكتب، كما هو الحال في كثير من الإسرائيليات أو الأخبار التي يحتج بها المبتدعة وأصحاب الفرق الضالة، وليست العبرة بعدد من روى هذه الأخبار أو بعدد من ذكرها، وإنما العبرة بصحة السند إلى قائله, فكم من الأحاديث والآثار ليس لها إلا طريق واحد ولكنها صحيحة لأنها استوفت شروط الصحة المعروفة عند المُحَدِّثين [1] , وكم من حديثٍ تعددت طرقه ولا قيمة لها لأن جميع طرقه لا تخلو من كذاب أو متهم بكذب, بل من المعلوم عند المحدِّثين أن الحديث الذي كثرت طرقه ولكن لا تخلو من كذاب أو متهم بكذب, فإن كثرة الطرق لا تقويه بل تزيده ضعفًا على ضعفه لتوارد الكذابين عليه. بخلاف الحديث الذي ليس في طرقه وضاعٌ أو متهمٌ بكذب فهذا قد يتقوى بكثرة الطرق.
هل فَسَّّر الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن كلَّه؟
إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك الأحاديث الصحيحة، ولم يُبيِّن كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعُذر أحد في جهالته كما صرّح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال:""
(1) - وهذه الشروط خمسة: اتصال السند- عدالة الرواة - ضبط الرواة - عدم الشذوذ- عدم العِلَّة. فإذا فقد شرطًا- أو أكثر- من هذه الشروط كان الحديث مردودًا غير مقبول.