التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" [1] ."
وبدهى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسِّر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذى لا يُعزر أحد بجهله، لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسِّر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وحقيقة الروح، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التى لم يُطلع الله عليها نبيه، وإنما فسَّر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات التى أخفاها الله عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم، وفسَّر لهم أيضًا كثيرًا مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به [2] .
***وإليك بعض الأمثلة مما فَسََّره الرسول صلى الله عليه وسلم:
1 ـ فسّر النبي صلى الله عليه وسلم المغضوب عليهم - في سورة الفاتحة- بأنهم اليهود والضالين بأنهم النصارى قال صلى الله عليه وسلم:"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال" [3] .
2 ـ قال صلى الله عليه وسلم:"قيل لبنى إسرائيل {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة:58] فبدلوا, فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" [4] .
3 ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [القرة:143] قال: عدلًا. وفي رواية:
"يُدعى نوحٌ يوم القيامة, فيقول: لبَيْك وسَعديْك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا فذلك قوله جل ذكره {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً} والوسط: العدل" [5] .
4 ـ فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} [البقرة:187] ببياض النهار من سواد الليل
(1) -تفسير الطبري (1/ 75)
(2) -الذهبي/ التفسير والمفسرون (1/ 42)
(3) - رواه الترمذي (2954) وغيره وصححه الألباني.
(4) - رواه أحمد (8213) والبخاري (3222) ومسلم (3015) والترمذي (2956) وغيرهم.
(5) - أخرجه أحمد (11575) والبخاري (4217) والترمذي (2961) وغيرهم.