فهرس الكتاب
أنَّ من القرآن لفظًا زائدًا لا معنى له فإمَّا أنْ يكون جاهلا بهذا القول، وإمَّا أنْ يكون متسمحًا في دينه واعْتِقَاده )) [1] .
وقوله في موضع آخر: (( ... قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} [2] بتكرير(أنْ) مرَّتين دليلٌ على أنَّ موسى، عليه السلام، لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأوَّل: بل كان عن إبطاءٍ في بسط يده إليه، فعبَّر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} . وجرت بيني وبين رجلٍ من النحويين مفاوضةٌ في هذه الآية، فقال: إنَّ (أنْ) الأولى زائدة، ولو حُذِفَت فقيل: فلمَّا أراد أنْ يبطش، لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [3] وقد اتَّفق النحاة على أنَّ (أن) الواردة بعد (لمَّا) وقبل الفعل زائدةٌ. فقلت له: النحاة لا فُتْيَا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارها من حيث إنَّهم نحاة، ولا شكَّ أنَّهم وجدوا (أنْ) ترد بعد (لمَّا) وقبل الفعل في القرآن الكريم وفي كلام فصحاء العرب، فظنُّوا أنَّ المعنى بِوجُودِهَا كالمعنى إذا أسقطت، فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك بل إذا وردت (لمَّا) وورد الفعل بعدها بإسقاط (أنْ) دلّ ذلك على (الفَوْرِ) وإذا لم تسقط لم يدلّنا ذلك على أنَّ الفعل كان (على الفَوْرِ) وإنَّما كان فيه تراخٍ وإبطاء وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أنِّي أقول: فائدة وضع الألفاظ أنْ تكون أدلَّة على المعاني، فإذا وردت لفظةٌ من الألفاظ في كلامٍ مشهودٍ له بالفصاحة والبلاغة، فالأَوْلَى أنْ تحمل تلك اللفظة على معنى، فإنْ لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل، قيل: هذه زائدة، دخولها في الكلام كخروجها منه. ولمَّا نظرت أنا في هذه وجدت لفظة (أنْ) الواردة بعد (لمَّا) وقبل الفعل دالَّة على المعنى، وإذا كانت دالة على معنًى فكيف يسوَّغ أنْ يُقَال إنَّها زائدةٌ؟ ...
الوجه الآخر: إنَّ هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قَدْحًا في كلام الله تعالى، وذاك أنَّه يكون قد نطق بزيادةٍ في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يَتِمُّ بدونها وحينئذ لا
(1) المثل السائر (2/ 93 - 95)
(2) القصص: 19
(3) يوسف:96