فهرس الكتاب
فكأنَّه قال: ما دعاك إلى أنْ لا تسجد؟ لأنَّ مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يُتعجَّب منها ويُسأل عن الداعي إليها )) [1] .
وعلَّل الزركشيّ كونها ليست بزائدة من وجهين: (( أحدهما: انَّ التقدير ما دعاك إلى أنَّ لا تسجد، لأنَّ الصارف عن الشيء داعٍ إلى تركه فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل.
الثاني: انَّ التقدير ما منعك من أنْ لا تسجد وهذا أقرب من قبله لأنَّ فيه إبقاء المنع على أصله وعدم زيادتها أَوْلَى، لأنَّ حذف حرف الجر مع (أنْ) كثيرٌ كثرةً لا تصل إلى المجاز والزيادة في درجته )) [2] .
وبعد: فقد اسْتدلَّ القائلون بزيادة (لا) في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} بورود الآية الكريمة في موضعٍ آخر من غير (لا) في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [3] وهذا ليس بالدليل القوي لأنَّ الآيتين يسبقهما ويلحق بهما آيات أُخَر تُؤَثِّر في معناهما ولا يمكن اجْتزاؤهما من السياق العام، ولذلك أجد من المناسب أنْ أورد الآيتين الكريمتين مُتَّصلة كلّ منهما بسياقها العام:
الآية الأولى: قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ*قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [4] .
الآية الثانية: قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ*فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ*قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ*قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [5] .
في الآية الأُولى حين قال، جلَّ جلاله: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} ، كان الكلام بصيغة الماضي، والفاء في قوله (فسجدوا) واقعهٌ في جواب الطلب والمعنى بعد أنْ خلقناكم وصورناكم، قلنا للملائكة اسجدوا، أي أنَّ الله، عزَّ وجلَّ، أصدر الأمر للملائكة بالسجود فَنفَّذوا وأطاعوا وسجدوا، واستثنى، عزَّ وجلَّ،
(1) تفسير الرازي (14/ 31 - 32)
(2) البرهان في علوم القرآن (3/ 79 - 80) ، وينظر التحرير والتنوير (8/ 39 - 40) ، أساليب التوكيد في القرآن الكريم (378)
(3) سورة ص:75
(4) الأعراف:11 - 12
(5) سورة ص: 71 - 76