فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 258

إبليس لعدم طاعته الأمر بقوله: {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ} في حين كان استثناء إبليس في الآية الثانية لأسباب أخرى موضَّحة بقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} ممَّا يوضِّح لنا بجلاء أنَّ التركيز في الآية الأولى من بدايتها كان على عدم طاعة إبليس أمر الله بالسجود ولذلك كان من المهم أنْ تسبق كلمة (تسجد) بـ (لا) اسْتِنْكارًا للدّافع (المانع) واستنكارًا لعدم السجود (الفعل) .

فكانت صيغة الآية الأولى مقترنةً بـ (إذ) وهو ظرف زمان ماض [1] ، والعامل فيه (تسجد) [2] . وذكر (إذْ) وما تدلُّ عليه يتماشى مع سياق الآيات من البداية، لأنَّ الكلام كان بصيغة الماضي، واقتران (إذْ أَمَرْتُك) بقوله (أَلا تَسْجُد) دليل على إنكار الفعل مع إنكار الدافع، وقوله (أنْ لا) في موضع الحال [3] .

وعلى هذا يكون تقدير المعنى (ما الحال أو الدافع الذي منعك أو صدَّك عن طاعة الأمر بالسجود فدعاك إلى أنْ لا تسجد حين أمرتك) .

والاسْتفهام في الآية إنكاري، إنكار لعصيان إبليس، فبئس الدافع الذي منعه من السجود وهو دافع سيِّئ، وبئس الفعل ألا يسجد حين أمره الله أمرًا مباشرًا بلا رسول، وهو عصيان للأمر حين إصداره من الله، ذي الجلال، وهو أمر عظيم واقْتَضى ذِكْر (لا) ليكون:

استنكارًا للدَّافع الخاطئ (ما منعك)

واستنكارًا لفعل العصيان (لا تَسْجُدَ)

وكأنَّ التقدير (لم تسجد) حين أمرتك، وذلك معصية توجب عقابك، ودافعك الخاطئ لذلك دافعٌ خطيرٌ مُنْكَرٌ يُوجِب الزيادة في عِقابك وطردك.

وممَّا يدلُّ ويؤكِّد أنَّ السؤال في الآية الكريمة عن الحال الذي اعتقده إبليس في نفسه فصدَّه عن تنفيذ أمر الله بالسجود، هو جواب إبليس {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، هذا هو الحال الذي يعتقد إبليس به أنَّه أفضل من آدم.

وجواب إبليس هذا حيَّر القائلين بزيادة (لا) في الآية الكريمة، لأنَّ الجواب لا يتماشى مع السؤال، إذ السؤال في تقديرهم (ما منعك أنْ تسجد) فيجب أنْ يكون الجواب

(1) ينظر رصف المباني في شرح حروف المعاني (59) ، همع الهوامع (2/ 171) ، معاني النحو (2/ 205)

(2) ينظر مشكل إعراب القرآن (1/ 284)

(3) ينظر التبيان في إعراب القرآن (1/ 558)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت