من القسم، وقبل أنْ أحسِمَ أمري وأبدأ بدراسَتِي اطَّلَعْتُ على ما كتبه المُحْدَثُون عن صيغة (لا أُقْسِمُ) وبحثت في ستِّ دراساتٍ لهم [1] ، فلم يكن ما وجدته في أغلب ما ورد في كتبهم، ورسائلهم إلا صدىً لقول من قال بزيادة (لا) ، وقد جعل أغلب المُحْدَثِيْن هذا القول سائدًا، على الرَّغم من أنَّ (لا) الواردة في صيغة (لا أُقْسِمُ) كانت موضع خلافٍ بين المفسِّرين، فضلا عن النَّحويين.
وقد كان لي على المُحْدَثِيْن في دِرَاسَتِهِم لصيغة (لا أُقْسِمُ) في القرآن الكريم مآخذ أربعة:
الأوَّل: الإيجاز الشديد المُخِلُّ: وقد اتَّبعوا فيه إحدى طريقتين: طريقة التقرير المُسْبَق التي لا يَذْكُر الكاتب فيها آراءً قِيْلَت في الموضوع غير الرأي الذي أخذ به، وكأنَّه اخْتَار، سلفًا، ما اقْتَنَع به، ثمَّ ثَبَّتَه في كتابه مع عدَّة أمثلة [2] . وطريقة عَرْضِ عدد من الآراء التي قيلت في صيغة (لا أُقْسِمُ) عرضًا سريعًا مع إشارة الكاتب إلى تبَنِّي رأيٍ من الآراء، وهذه الطريقة مُوجزة مُخْتَصَرة، أخلَّت بالعرض، ولكنْ بدرجةٍ أقلَّ من سابِقَتِها [3] .
الثاني: الاكْتِفَاء بالنَّقل من غير إعمال العقل، والنقل عن علمائنا الأجلاء، رحمهم الله، أمرٌ غير مستكرهٍ، فهم بلا شكٍّ، مرجعٌ لاسْتِقاء العلوم ودراستها، ولا يمكن الاسْتِغْنَاء عن علمهم، ولهم في نفوس طلبة العلم من المكانة ما لا يمكن أنْ تعبِّر عنه الكلمات، ولكنَّ العلم لم يتوقف عندهم أو في زمانهم، فقد أعطوا واجتهدوا ورأوا رأيهم، وهم، بلا شكٍّ، لا ينكرون على دارسِي اللغة العربية أنْ يجتهدوا ويبحثوا ويروا رأيهم أيضًا في مسائل العربيَّة.
هذا فضلا عن أمرٍ عظيمٍ آخر يُضْعِفُ النَّقْلَ ويَثْلم سُلْطَانه، سوى القرآن الكريم، وهو ما ضاع عبر السنين، وما أُتْلِف بالكوارث والنكبات التي حلَّت بكثيرٍ من حواضر المسلمين من بغداد إلى الأندلس، وما كان من إتلافٍ وإحراقٍ على يد المغول لملايين الكتب والمؤلَّفات جزء قليل من كمٍّ هائلٍ انْدَثَر أغْلَبُه.
(1) ينظر من أساليب القرآن، أساليب النفي في القرآن، أساليب القسم في اللغة العربية، أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم، أسلوب القسم في القرآن الكريم لعواطف الزبيدي، أسلوب القسم في القرآن الكريم لسعيد الحداد.
(2) ينظر من أساليب القرآن (57)
(3) ينظر أساليب النفي في القرآن (55)