وأقول، بلا تردُّد، إنَّ الاعْتِمَاد على النقل من غير إعمال العقل في عرض صيغة (لا أُقْسِمُ) عند عدد من المحدثين [1] . طريقة فيها خلل بل كلُّها خلل، وذلك لكثرة الآراء المنقولة وتعدُّدها في هذه الصيغة، وقد كان السرد عندهم من غير مشاركةٍ للكاتب المُحْدَث في موافقةٍ لما قيل أو تفنيدٍ أو مناقشةٍ، أو حتَّى ترجيحٍ لرأيٍ على آخر.
الثالث: ضَعْفُ مُسَوِّغَات القول بزيادة (لا) : بدا لي أنَّ قول المحدثين بزيادة (لا) الواردة في صيغة (لا أُقْسِمُ) [2] واختيارها رأيًا من بين الآراء الأخرى التي قيلت فيها كان الاخْتِيَار الأسهل لديهم، وكان دحض الآراء الأخرى عسيرًا عليهم، لأنَّها كانت دالةً مؤثرةً في المعنى، أكثر من رأي الزيادة، ولم يكن من الممكن ترجيح رأي زيادة (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) الذي يُلْغِي عَمَلَ (لا) وأثرها والاحْتِجَاج به إلا من خلال اعْتِمَاد المُحْدَثِيْن على أقوال النحويين والمفسِّرين القُدَامي القائلين بِه.
الرابع: الخلط وعدم الدقَّة في القياس والاسْتِشْهاد: وأكثر ما يَظْهَر هذا المَأْخَذ عند المُحْدَثِيْن [3] وهم يتكلَّمون على (لا) الواردة في صيغة (لا أُقْسِمُ) على أنَّها زائدةٌ للتوكيد ويستشهدون على ذلك القول، ويقرنونه بزيادة (لا) في قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [4] ، كما نقلوه عن عدد من الأقدمين على الرغم من وجود خطأ في القياس، سأُوَضِّحُه في موضعه إنْ شاء الله تعالى، وكان حريًّا بالمُحْدَثِين أنْ يَتَخَيَّرُوا النقل بالعقل في ما سوى القرآن الكريم ممَّا نقلوه عن الأقدمين.
ومن الصعوبات التي واجهتني في كتابة الأطروحة، تَخَيُّر المراجع الأساسيَّة، وملاحقة المصادر الضروريَّة لعرض الآراء بعد تقسيمها ثمَّ مُنَاقَشَتِها ورَدِّ بعضها، وغير ذلك كثير، إذ لم يُفْرد أحدٌ لهذا الموضوع بحثًا أو دراسةً من قبل، وكان عليّ أنْ أتحمَّل العبء الأكبر، ممَّا تطلَّب الوقت والصبر وتحرِّي الدقَّة والعمل المنهجيِّ من أجل لَمِّ الشَّتَات المُتَنَاِثر وإسْنَاده بالنَّقْل والحُجَّة، ثُمَّ اسْتِنْتَاج الجديد
(1) ينظر أسلوب القسم في القرآن الكريم، لعواطف الزبيدي (97 - 103)
(2) ينظر أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم (89 - 95)
(3) ينظر أساليب النفي في القرآن (54) ، أسلوب القسم واجتماعه مع الشروط في رحاب القرآن الكريم (88) ، القسم في القرآن الكريم لسعيد الحداد (140) .
(4) النساء: 65