فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 258

يَخَافُونَ الْآخِرَةَ [1] بعد ذكر الجنَّة والنَّار وكان عدم خوفهم إيَّاها لإنكارهم البعث, ذكر في هذه السورة الدليل على البعث، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله )) [2] .

ومنهم من جعل (لا) نافيةً ردًا على من جحد البعث، ربَّما تَجَنُّبًا لإشكالات القول بوقوعها زائدةً في بداية الكلام. قال ابْن الشجري: (( إنَّ بعض النحويين أنكر أنْ تكون(لا) زائدةً في قوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [3] قال لأنَّ زيادة الحرف تدلُّ على اطِّراحه وكونه في أوَّل الكلام يدلُّ على قوَّة العناية به, فلا يجوز أنْ يكون مطَّرحًا معْنِيًا به في حالةٍ واحدةٍ، وإذا قَبُحَ الجمع بين اطِّراحه والعناية به لَمْ يَجُز أنْ تَجْعَل (لا) في هذه الآية زائدةً وجعلناها نافيةً ردًا على من جحد البعث وأنكر القيامة، وقد حكى الله أقوالهم في مواضع من الكتاب فكأنَّه قيل (لا) ليس الأمر على ما تَقَوَّلْتُمُوه من إنكاركم ليوم القيامة ثم قال: (أُقْسِمُ بيوم القيامة ولا أُقْسِمُ بالنفس اللوَّامة) فـ (لا) جوابٌ لما حُكِيَ من جحدهم للبعث كما كان قوله: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [4] جوابًا لقولهم: وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ

لَمَجْنُونٌ [5] لأن القرآن يجري مجرى السورة الواحدة )) [6] .

أقول: إنَّ مَنْ تَجَنَّبَ إشكالات زيادة (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) ، لأنَّها واقعةٌ في بداية الكلام، ولأنَّ تصديرَها يفيد العناية بها واطِّراحها، بزيادتها، يُنَاقض هذا المعنى, أجده قد وقع في إشكالاتٍ أكثر عندما قال: إنَّ (لا) نافيةٌ، ردًا على من جحد البعث، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ ذكرت عددًا منها في بداية كلامي على هذا الرأي. وأذكر هنا مشكلا آخر, هو محاولة تحديد الكلام السابق أو افْتِراضه، وعندما أُنَاقِش هذا القول أكَرِّر ما ذكرته آنفًا من أنَّ القرآن كلَّه كالسورة الواحدة في عدم التناقض وفي التكامل. وهذا هو معنى القول: إنَّ القرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضا, وتبقى لكلِّ سورةٍ خصوصيتها ونسيجها المتكامل مع إيقاعها الخاصِّ وتصويرها الفنيِّ المُمَيَّز.

ولذا نجد الرازي يرفض المعنى الذي اعْتَمد عليه عدد من المفسِّرين والنحويين من أنَّ القرآن كلَّه كالسورة الواحدة لحلِّ إشكال زيادة (لا) في بداية الكلام بقوله: (( إنَّ القرآن كالسورة الواحدة في عدم التناقض فأمَّا في أنْ يُقْرَن بالآية الأخرى فذلك غير جائزٍ, لأنَّه يلزم جواز أنْ

(1) المدثر: 53

(2) أسرار ترتيب القرآن (144) ، وينظر روح المعاني (29/ 135)

(3) القيامة: 1

(4) القلم: 2

(5) الحجر: 6

(6) الأمالي الشجرية (2/ 220)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت