فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 258

عليه؛ فأمرٌ مُخْتَلَفٌ فيه بين كونه توقيفيًّا أو توفيقيًّا [1] ، ولكنَّنا نعلم أنَّه يجوز لنا أنْ نقرأ سُوَرَ القرآن من غير مراعاة ترتيب نزولها أو ترتيبها في المصحف.

ومُلَخَّص القول: أنَّ القرآن الكريم نزل مفرَّقا على النَّبي محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، في ثلاثةٍ وعشرين عامًا [2] (( والدليل على تَفَرُّق هذا النزول وتنجيمه، قول الله تعالت حكمته في سورة الإسراء: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [3] ) [4] . ولذلك يقول الزركشي في باب (معرفة المناسبات بين الآيات) : (( قال الشيخ عزّ الدين بْن عبد السلام: المناسبة علمٌ حسنٌ ولكنْ يُشْتَرط في حُسن ارْتِبَاط الكلام أنْ يقع في أمرٍ مُتَّحد مرتبط أوَّله بآخره، فإنْ وقع على أسبابٍ مختلفةٍ لم يُشْتَرَط فيه ارْتِبَاط أحدهما بالآخر. قال ومن ربط ذلك فهو مُتَكَلِّف بما لا يقع عليه إلا برباطٍ ركيك يُصَانُ عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإنَّ القرآن نزل في نيفٍ وعشرين سنة في أحكامٍ مختلفةٍ ولأسبابٍ مختلفةٍ، وما كان كذلك لا يَتَأَتَّى ربط بعضه ببعض، إذْ لا يَحْسُن أنْ يرتبط تصرُّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اخْتِلاف الفلك والأسباب كتصرُّف الملوك والحكام والمُفْتِيْن، وتصرُّف الإنسان نفسه بأمورٍ متوافقةٍ ومتخالفةٍ ومتضادَّةٍ، وليس لأحدٍ أنْ يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها ) ) [5] .

وإذا حاولنا أنْ نطبِّق معنى أنْ تكون (لا) نافيةً ولكنْ لكلام المشركين المقدَّر وردًا له, على قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [6] على سبيل المثال، فستكون المحصلة غريبةً.

قال الطبريُّ في معرض تفسيره لـ {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} : (( وقال بعض نحويي الكوفة(لا) ردٌ لكلام قد مضى من كلام المشركين الذين كانوا يُنْكِرون الجنَّة والنَّار ثُمَّ ابْتُدِئ القسم فقيل (أُقْسِمُ بيوم القيامة ) )) [7] . النتيجة (لا) ردٌ لإنكار المشركين البعث وتكذيبهم بالجنَّة

(1) ينظر فضائل القرآن (65) ، البرهان في علم القرآن (1/ 256 - 257) ، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن (234) ، تاريخ القرآن الكريم (69 - 73)

(2) ينظر مناهل العرفان (1/ 38)

(3) الإسراء: 106

(4) مناهل العرفان (1/ 38 - 39)

(5) البرهان في علوم القرآن (1/ 37)

(6) القيامة: 1 - 2

(7) تفسير الطبري (29/ 172) ، وينظر تفسير الواحدي (2/ 1153) ، تفسير البغوي (4/ 421) ، الخازن (4/ 369 - 370) ، تفسير القرطبي (19/ 91 - 92) ، تفسير أبي السعود (9/ 64) ، روح المعاني (29/ 135 - 136)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت