والنَّار، ثُمَّ القسم بيوم القيامة على أنَّ يوم القيامة حقٌّ، وجواب القسم محذوفٌ يُقَدِّره المفسِّرون في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} [1] أي لَتُبْعَثُنَّ [2] .
إذن، الكلام كلُّه مُتَعَلِّقٌ بيوم القيامة والحساب، ويكون تسلسل الكلام: أنَّه وُجد مشركون منكرون للبعث والجزاء، فقال لهم الله، جلَّ جلاله، (لا صحةَ لإنكاركم البعث) ، ولِيُؤَكِّدَ لهم أنَّ البعث حقٌّ، أَقْسَمَ جلَّ جلاله، بيوم القيامة المُنْكَر عندهم، والمُقْسَم لأجله وقوع القيامة وأنَّ البعث حقٌّ، وهو أمرٌ ينكرونه، وجواب القسم المُقَدَّر هو (لَتُبْعَثُنَّ) أي البعث الذي هم مُنْكِرُون وقوعه.
فكيف تَتِمُّ الفائدة من القسم، وتُقَام به الحُجَّة على المنكرين للبعث والجزاء إذا كان المُقْسَمُ به والمُقْسَمُ عليه وجواب القسم واحدًا [3] ، وغير هذا، أنَّه أمرٌ أنكره المُقْسَم لهم ورفضوه و كذَّبوا به، أليست نتيجةً غريبةً؟!
وإذا أكملنا الكلام على سورة القيامة, سيقف قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} عائقًا أمام إكمال التفسير بالمعنى المذكور لـ (لا) على أنَّها ردٌّ لإنكار المشركين البعث، فإنْ توافق الردُّ مع القسم الأوَّل وهو القسم بيوم القيامة، فإنَّه لا يتوافق مع القسم بالنفس اللوَّامة لعدم وجود رابط معنوي بين القسم بالنفس اللوَّامة والمُقْسَم لأجله وهو أنَّ البعث حقٌّ ويوم القيامة حقٌّ.
لذا نجد عددًا من المفسِّرين يقولون: إنَّ الله أقسم بيوم القيامة ولم يُقْسِم بالنفس اللوَّامة [4] ، فتكون (لا) الأولى نافيةً، ولكنْ لكلامٍ سابقٍ، أمَّا (لا) الثانية، فتكون نافيةً لفعل القسم الوارد بعدها، أي إنَّ الله أقسم بيوم القيامة ولم يُقْسِم بالنفس اللوَّامة؟!!!. أو إنَّهم يقولون: إنَّ الله أَقْسَم بهما جميعا [5] من غير أنْ يُفَسِّروا (لا) الواردة في {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [6] . وإعادة ذكر (لا) مرَّة أخرى بعد ذكرها في بداية السورة في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [7] سبَّب لبعض المفسِّرين إشكالا حاولوا التخلُّص منه بقولهم: إنَّ (لا) في
(1) القيامة: 3
(2) ينظر تفسير الواحدي (2/ 1153) ، مجمع البيان (5/ 394) ، تفسير النسفي (4/ 299) ، تفسير القرطبي (19/ 93)
(3) ينظر الخازن (4/ 370)
(4) ينظر تفسير الطبري (29/ 173) ، زاد المسير (8/ 415 - 416)
(5) ينظر تفسير البغوي (4/ 420 - 421)
(6) القيامة: 2
(7) القيامة: 1