فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 258

الآية الثانية هي أيضًا ردٌ آخر وابتداءٌ لقسمٍ جديدٍ [1] . وفي هذا الكلام لا نجد توضيحًا للمُقْسَمِ لأجله الخاصِّ بالآية الثانية وجواب القسم، وربط ذلك كلِّه بالآية الأولى والآيات التالية لها. لأنَّه، في الأصل، أمرٌ لا يمكن تحقيقه، لعدم التوافق مع معاني الآيات والسياق العام للسورة، ولذلك نجد مثل هذا التفسير يَرِدُ في التفاسير، ربَّما بوصفه تصورًا للمعنى وليس صيغةً مُتَبَنَّاة لمعنى الآية، ومن ثَمَّ لا يُمْكن الاعْتِماد عليه.

وقد كان لإعادة (لا) قبل فعل القسم في الآية الثانية في سورة القيامة بعد أنْ كانت واردةً في الصيغة نفسها في الآية الأولى أثرٌ كبيرٌ في جعل بعض العلماء يعتقد أنَّ (لا) في الآية الأولى ليست إلا (لامًا) أُشْبعت فتحتها فصارت (لا) والأصل (لأُقْسِمُ) [2] ، وذلك ليَتَخَلًّص من تكرار صيغة (لا أُقْسِمُ) في الآيتين. وسأتكلَّم على هذا في موضعه إنْ شاء الله تعالى.

وعند قراءتي كتب التفسير وما ورد فيها من معانٍ لقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [3] وَجَدْتُني حائرةً من تَنَصُّل عددٍ من المفسِّرين عن الخوض في هذا الموضوع، واخْتِصَارهم المعنى واخْتِزَالهم إيَّاه بقولهم: (لا) ردٌّ عليهم، أُقْسِمُ بهذا البلد [4] ، فـ (لا) ردٌّ على مَنْ؟ وكيف يكون الردُّ بالقسم بمكَّة؟ وما علاقتها بالردِّ؟ ثم ماذا قالوا، فَرُدَّ عليهم بـ (لا) ومن ثَمَّ أَقْسَمَ على الردِّ بمكَّة، كلُّ تلك أسئلة تدور في الذهن، ولا نكاد نجد أجوبةً لها عند المفسِّرين، وللقارئ أنْ يختار ما يشاء من آيات سالفةٍ يَفْتَرِض فيها الأمر المردود على المشركين بـ (لا) وليجتهد في ربط الردِّ بالقسم بمكَّة .. إنَّه تَضْيِيْعٌ وتشتيتٌ ما بعده تشتيت.

وقد يكون الردُّ في سورة البلد مقدرًا من فهم الآيات التي تلي صيغة (لا أُقْسِمُ) ، مثال ذلك قول القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [5] : (( قال القشيري: قوله(لا) : ردٌّ لما توهَّم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور بالدنيا، أي ليس الأمر كما يحسبه من أنَّه لن يَقْدِرَ عليه أحدٌ ثم ابْتَدَأ القسم )) [6] .

ولا يخفى أنَّ تقدير كون (لا) نافيةً لمعنًى في آياتٍ تاليةٍ لها يضعف معنى النفي: (( لأنَّ المَنْفِيَّ ما وَلِيَ حَرْفَ النَّفْي ) ) [7] ، لا أنْ يكون مُشْتَقًّا من معنى آياتٍ تليه ويَفْصِل بين أداة النفي وما قُدِّر نفيه في السورة آيات. فالنفي ورد في أوَّل سورة البلد لَا أُقْسِمُ بِهَذَا

(1) ينظر تفسير القرطبي (19/ 92)

(2) ينظر روح المعاني (29/ 135 - 136)

(3) البلد: 1

(4) ينظر المحرر الوجيز (5/ 483) ، تفسير ابن كثير (4/ 512) ، الدر المنثور (8/ 517 - 518)

(5) البلد: 1

(6) تفسير القرطبي (20/ 59 - 60)

(7) البرهان في علوم القرآن (2/ 377)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت