فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 258

الجبال وسلَّم علي ثم قال يا محمَّد ـ فقال ذلك ـ فما شئت إنْ شئت أنْ أُطْبِق عليهم الأخشبين، فقال النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، بل أرجو أنْ يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشْرِك به شيئًا )) [1] .

وهكذا فلن يُقْسِمَ الله تبارك وتعالى بهذا البلد ليعظِّم شأنه وليهب له الحصانة, وأهل هذا البلد والمتنفذون فيه والمهيمنون على أموره يحاربون الرسول, صلَّى الله عليه وسلَّم, بل سيرفع الحصانة عنه ما دام الحال على ذلك، ولو لم تُرْفَع الحصانة عن مكَّة لما وضع الله تحت تصرف النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، واخْتِيَاره أنْ يُعَاقِب قومه بما يشاء حتَّى ولو بإطباق الأخشبين عليهم وعلى بلدهم.

فـ (لا) في (لا أُقْسِمُ) هنا تتضمَّن معنى (لن) وتتجاوزه إلى (لا يكون) و (لا ينبغي) كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [2] أي لن يستووا ولا ينبغي لهم ذلك.

وعلى هذا؛ فلن يُقْسِمَ الرحمن الحكيم بمكَّة ليعظِّم شأنها, وأهلها يستبيحون حرمات النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه الكرام.

وفي نفي القسم بمكَّة في هذه السورة الكريمة رفعٌ وإلغاءٌ لتعظيمٍ سابقٍ كان لمكَّة جاء في سورة التين حين أَقْسَم الله، تبارك وتعالى، بها وقرنها بمكانين عظيمين, فيهما نشأت دعوة عيسى ودعوة موسى، عليهما السلام، في قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [3] . ففي أرض التين والزيتون نشأت دعوة عيسى، عليه السلام, وفي طور سينين نشأت دعوة موسى، عليه السلام، وفي البلد الأمين نشأت دعوة محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم [4] .

ولمن يربط القسم بالبلد الأمين في سورة التين بقوله تعالى {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} في سورة البلد مستدِلا على زيادة (لا) في (لا أُقْسِمُ) ، والقول: إنَّ المعنى أُقْسِمُ بهذا البلد لأنَّ الله تعالى قد أقسم به في سورة التين [5] ، أقول: إنَّ الأمر الوحيد الذي

(1) صحيح البخاري (3/ 1180) ، ينظر صحيح مسلم (3/ 1420) ، السيرة النبوية لابن كثير (2/ 152-153) ، سبل الهدى والرشاد (2/ 440)

(2) النساء: 95

(3) التين: 1 - 3

(4) ينظر التعبير القرآني (300)

(5) ينظر تفسير القرطبي (20/ 59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت