فهرس الكتاب
يتزايد إيقاعه باستمرار {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [1] إلى أنْ تنتهي السورة بوعيد من اسْتَبَاحوا حرمة البلد الأمين, وحرمة النَّبي الأمين, وتهديدهم ووصفهم بالكفر {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ*عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤصَدَةٌ} [2] ، ولا نجد في سورة التين، التي أَقْسَم الله فيها بالبلد الحرام، إشارة إلى الحرب على الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، واسْتِعارها وإنَّما ذكرت السورة التكذيب فقط {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} [3] ، فجاء القسم ليلفت الانْتِباه إلى صدق الخبر وهو (الدين) . أمَّا في سورة البلد فالإشارة إلى حرب الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، وما يلقاه من أذى كان من بداية السورة، بقوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [4] وقوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} [5] في إشارة إلى الإنفاق على الحرب ضدَّ الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد ورد هذا المعنى عند كثيرٍ من المفسِّرين [6] .
فالقسم بالبلد الأمين في سورة التين كان, بادئ ذي بدء, تكريمًا وتشريفًا عظيمين لأهل مكَّة (قريش) , وكان عليهم أنْ يلتفتوا إلى ذلك وإلى أنَّ بلدهم قد رُفِعَ شأنه وعَظُم قدره، وكان عليهم أنْ يُسَارعوا إلى الشكر والاسْتِجابة ليتشرَّفُوا ويَعْظُم ذكرهم، فقد اختار الله بلدهم لبعثةٍ ورسالةٍ ودينٍ ليجعلهم أفضل شأنًا وحالا من اليهود الذين كانوا يتفاخرون ويتعالون على العرب بدينهم وكتابهم, ومن النصارى الروم الذين اسْتَعبدوا العرب واسْتَرْهبوهم.
لقد أراد الله تبارك وتعالى للإنسان العربي في مكَّة أنْ يكون في أرفع مكان وأشرف منزلة بعد أنْ عانى تكبُّرهم وتعاليهم وظلمهم، فجعل خاتم النبيين وناسخة الرسالات في بلدهم، فما يكذبه بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين وأعدلهم.
وإذا وُجِدَ من يسأل عن سبب تعظيم مكَّة بالقسم في سورة التين، وقد كان هناك تكذيب من كبرائها منذ البداية، ولِمَ لَمْ يُرْفَع التعظيم ويبطل لأوَّل تكذيب تلا السورة؟ فالجواب عن ذلك يتمثَّل في أنَّ طور التبليغ الأوَّل لا بدَّ أنْ يبلغ مداه، وأنْ يأخذ وقعه مع أهله وأنْ تُكَرَّر اللافِتات وذِكْر النعم والتشريفات لهم إلى
(1) البلد: 5
(2) البلد: 19 - 20
(3) التين: 7
(4) البلد: 2
(5) البلد: 6
(6) ينظر تفسير الطبري (30/ 198) ، تفسير الواحدي (2/ 1203 - 1204) ، تفسير البغوي (4/ 489) ، تفسير الرازي (31/ 182) ، تفسير القرطبي (20/ 64) ، تفسير البيضاوي (5/ 492 - 493) ، فتح القدير (5/ 443) ، روح المعاني (30/ 136)