فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 258

حدٍّ يُقَدِّره الله، تبارك وتعالى، ويحكم به على اسْتِجَابة المُتَلَقِّين وقدرها ليشتدَّ في لومهم ووعيدهم بعد ذلك.

ولاشكَّ في أنَّ التكذيب حين أُتْبِعَ بالإيذاء ثم بالاسْتِبَاحة المطلقة للرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه من المُتَنَفِّذِين في مكَّة وأهل الحلِّ والعقد فيها، وصل الحدَّ النهائي لإمهال الله تبارك وتعالى قريشًا خاصَّة، وقد وصل الأمر بهم إلى حدِّ التخطيط لقتل الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، بل تجاوز الأمر حدَّ التخطيط إلى محاولة التنفيذ [1] فرفع الله، تبارك وتعالى حصانة مكَّة في سورة البلد وألغى تعظيمها الذي كان بنفي القسم بها ما دام أهلها مُسْتَمِرِّين في حربهم واسْتِبَاحتهم للرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه، ونزع عنها صفة الأمن التي وُصِفَت بها في سورة التين, ولو كان في سورة البلد غير إلغاء التعظيم والتشريف لأبقى للبلد صفة الأمين كما كانت. ولكنَّه نزعها، تبارك وتعالى، وذكر البلد مجرَّدًا فقال: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}

نعم لقد جرَّد الله مكَّة من هذه الصفة لأنَّ محمَّدًا، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه المؤمنين السابقين أكرم عند الله من مكَّة كلِّها، واسْتِبَاحة حرمتهم أدعى لإلغاء التعظيم وإلغاء الأمان عن أهلها ورفع الحصانة كلّها عن بلدهم.

فالبلد لم يعد أمينًا لهم بعد الآن إلا أنْ يوقفوا اسْتِبَاحتهم. وقد يَحلّ عليهم غضب الله وعذابه وهم فيها، ردًّا على ما يفعلون بالنَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، والذين آمنوا معه. ومكَّة ليست بأعظم حُرمة من حرمة رسول الله, ولذلك جاء في الحديث الشريف عن (( عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك. ما أعظمك وأعظم حرمتك, والذي نفس محمَّد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك, ماله ودمه وأنْ نَظنّ به إلا خيرًا ) ) [2] . وفي حديث آخر: (( قَتْلُ المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) ) [3] . قال المدرِّسي: (( وشرف مكَّة واضح ولكن مكَّة ليست بأشرف من رسول الله، بل شرف كلِّ أرض بمن يسكنها من عباد الله الصالحين, ولذلك جاء في الحديث (المؤمن أعظم

(1) ينظر السيرة النبوية لابن كثير (2/ 229) ، سبل الهدى والرشاد (3/ 232 - 233) .

(2) سنن ابن ماجه (2/ 1297) ، ينظر مجمع الزوائد (3/ 292)

(3) سنن النسائي (7/ 82) ، ينظر السنن الكبرى (8/ 22) ، فتح الباري (12/ 166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت