فهرس الكتاب
حُرْمة من الكعبة) ... فالهدف إذًا هو الإنسان الذي سُخِّرت له الأرض وما فيها, وأيُّ إنسان أشرف من محمَّد بن عبد الله، صلَّى الله عليه وسلَّم )) [1] .
ويمكننا أنْ نقرن بين هذه المعاني والوقائع التاريخية في السيرة النبويَّة, فقد نزل الأمين جبريل (عليه السلام) ومعه ملك الجبال ليُخّيِّر النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، في أنْ ينزل العذاب بالمكذِّبين في مكَّة والطائف ومن حولهما حين قال له: (لو شِئْتَ لأطبقت عليهم الأخشبين) [2] . ولو كانت حُرْمة مكَّة وأمانها مُسْتَمِرَّين، لما وضع جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال خيار العذاب أمام الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، ليُقِرَّه أو يلغيه بأمرٍ من الله، تبارك وتعالى، وإذنه.
ولن يتَّضح هذا الغرض (رفع التعظيم والتشريف) ، وهذا المعنى في إلغاء الحصانة إلا عندما نكمل الآيات الكريمة كلَّها لنجدها شارحةً دالةً حاسمةً في تثبيت نفي القسم نفيًا تامًّا, وفي إجلاء غرضه ودلالته.
{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [3] إنَّه قسم [4] بلا شك وقسمٌ غاضبٌ شديدٌ من الله، تبارك وتعالى، يزداد على ما في نفي القسم من غضبٍ وقرارٍ في رفع التعظيم عن مكَّة.
ويلحظ في الآية الكريمة أنَّ كلمتي (والد) و (ولد) اللتين أَقْسَم الله، جلَّ جلاله، بهما جاءتا نكرتين لإفادة العموم, هذا فضلا عمَّا في معنى الآية ووصلها بما قبلها من فائدة التنكير المتمثِّل بالإبهام الذي يوحي بتقليل الشأن والقيمة، والذي يدلُّ على هذا المعنى ويؤكده أنَّ القسم الوارد في القرآن الكريم من الله جلَّ جلاله بالمخلوقات كان معرفةً في المواضع التي ورد فيها، كقوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [5] ، {وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [6] ، {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [7] ، {وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [8] ، وَاللَّيْلِ إِذَا
(1) من هدي القرآن (18/ 117 - 118)
(2) ذكرت الرواية في بداية هذا الغرض فلا حاجة للإعادة هنا.
(3) البلد: 3
(4) ينظر المحرر الوجيز (5/ 484) ، من هدي القرآن (18/ 118) ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (20/ 192)
(5) سورة ص: 1 - 2
(6) الطور: 1 - 2
(7) النجم: 1
(8) الفجر: 1 - 2