فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 258

يَغْشَى [1] ، وقد أحصيت مواضع القسم الصريح وأوردتها في الفصل الأوَّل من الرسالة لمن أراد الرجوع إليها.

أمَّا في قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} فقد كان الموضع الوحيد الذي ورد القسم فيه غير معرَّف، وهذا يتوافق مع الغضب في بداية السورة التي نفى رب العزَّة فيها القسم بالبلد.

ووضع (ما) التي تستعمل لغير العاقل مكان (من) التي هي للعاقل في قوله (وما ولد) يدلُّ على أمرين، أحدهما: الإغراق في التنكير، الذي دلَّ عليه ذكر (والد، وولد) غير معرَّفين. والآخر: إلغاء الوجوه الكثيرة التي ذهب إليها المفسِّرون في تفسير قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} من أنَّ الوالد آدم، وما ولد ذرِّيَّته، أو الوالد محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، وما ولد أُمَّته، أو الوالد إبراهيم وما ولد جميع ولده ... إلى آخر الأقوال، لأنَّ (( تخصيص والد، بمحمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم, أو نوح، أو إبراهيم يُبعده، إنْ لم ينفه، العموم المُسْتفاد من التنكير ... ووضع(ما) في مكان (من) التي هي للعاقل في قوله تعالى: {وَمَا وَلَدَ} لفت إلى أنَّ المقصود هنا ليس أشخاصًا بذواتهم, وإنَّما الحديث عن تتابع الحياة وأجيالها على نمطٍ واحدٍ, وعن توارثها ولدًا عن والدٍ وخلفًا عن سلف )) [2] .

إنَّ القسم الغاضب {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} أتى كغضبٍ فوق غضب. وسأتناول الغضب بوصفه غرضًا من أغراض نفي القسم في موضعه، إنْ شاء الله، واكتفي هنا بالقول: في هذه الآيات غضب من الله شديد، والسامع العارف يستقبل طرقات الغضب الشديدة هذه ويتدبَّر ويهتزُّ ويرتجف تهيبًا من الرحمن الجليل.

وقبل الانْتِقال إلى آية جواب القسم، أريد أنْ أُنَبِّه على أنَّ قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} هو قسمٌ مُنْفصل عن نفي القسم السابق له، وأنَّ الواو واو القسم والمُقْسَم به هو كلُّ والدٍ وكلُّ ولد [3] ، وهذا ترجيح له ما يسوِّغه، إذ اقترن نفي القسم بسببه ومُسَوِّغه وهو حال النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، في مكَّة {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} فتمَّ معناه واكْتَمل عمله. ثم أتى بعده السياق بقسم جديد بواو القسم، بعيدة عن مؤدى العطف ومعناه، كقولك (لا أَكْتُبُ وأَقْرَأُ ما تُرِيْدُون) فيؤدِّي معنى نفي الكتابة والقراءة معًا، أمَّا إذا قلت (لا أَكْتُبُ لجرحٍ في يَدِي وأَقْرَأُ ما تُرِيْدُون)

(1) الليل: 1

(2) التفسير البياني للقرآن الكريم (1/ 166 - 167)

(3) ينظر المحرر الوجيز (5/ 484) ، من هدي القرآن (18/ 118) ، الأمثل في كتاب الله المنزل (20/ 192)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت