فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 258

فقد ذكرت سبب نفي الكتابة ثم عطفت القراءة بعدها فلم تتأثَّر بالنفي وفُهِمَت على الإثبات والموافقة.

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [1] هذه الآية جواب القسم واللام واقعة فيه. وكلمة (كَبَد) في الآيه الكريمة لم ترد في القرآن الكريم، صيغة ولا مادة، غير هذه المرَّة, وأصل الكَبَد في اللغة من وجع الكَبِد. قال الجوهري: (( الكَبَدُ الشِّدَّة ... وكَابَدْتُ الأمْرَ: إذا قَاسَيْتَ شِدَّتَهُ, والكُبَادُ: وَجَعُ الكَبِد. ) ) [2] ، وقال ابن منظور: (( الكَبَدُ: الشِّدَّة والمَشَقَّة، وفي التنزيل {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} ... قال أبو منصور: ومُكَابَدَةُ الأَمْرِ مُعَانَاة ومَشَقَّة, وكَابَدْت الأَمْر إذا قَاسَيْت شِدَّتَه, وفي حديث بلال: أَذَّنْت في لَيْلَةٍ بَارِدَة فلم يأت أحد, فقال رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم: أَكْبَدَهُم البَرْد [3] ، أَيْ شَقَّ عليهم وضَيَّق، من الكَبَد بالفتح وهي الشِّدَّة والضِّيْق، أو أَصَاب أَكْبَادَهُم، وذلك أَشَدُّ ما يَكُون من البَرْد، لأنَّ الكَبِد مَعْدِن الحَرَارة والدَّم ولا يَخْلُص إليها إلا أَشَدّ البَرْد ) ) [4] .

وعلى هذا, فالفرق بين (الكَبَد) و (الكَدْح) في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [5] يتمثَّل في أنَّ (الكَبَد) شَقَاءٌ مع تعب, أمَّا (الكَدْح) فتعبٌ بلا شقاء, بل قد يكون مع التعب شعورٌ بالسعادة, ولا سيَّما عندما يكون التعب من كدح في خير وإلى صلاح.

وكأنَّ الكلام: أُقْسِم بكلِّ الخلق من الناس من كان والدًا أو ما يتباهى به الوالد من كلِّ ولد, إنَّ الإنسان الكافر المجرم لفي مكابدةٍ وشقاءٍ ومعاناةٍ ومكابرةٍ وعنادٍ، لأنَّه تعب ولكنْ في محادَّة الله وحرب رسوله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأتباعه.

{أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [6] إنَّه إنسانٌ صاحب قوَّة ونفوذ وقرار يُمَارس الظلم والقهر ويُسلِّط الأذى مُسْتَضْعِفًا النَّبي، صلَّى الله

(1) البلد: 4

(2) الصحاح، كبد، (2/ 530)

(3) ورد هذا الحديث برواية أخرى في المعجم الكبير (1/ 351)

(4) لسان العرب، كبد، (3/ 376) ، ينظر مجمع البحرين (4/ 7) ، تاج العروس (2/ 481)

(5) الانشقاق: 6

(6) البلد: 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت