فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 258

عليه وسلَّم، وأصحابه ومستبيحًا حرماتهم ودماءهم، وقد أنسته قوَّته وقدرته قدرة الله عليه. والاسْتِفْهام في الآية، إنكاري وفيه وعيد.

{يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} [1] لقد قال (أهلكت) ولم يقل أنفقت، لأَنَّ (أهلكت) مع (لبدا) تدلان على إنفاق الكثير الذي تلبَّد بعضه فوق بعض. إنَّه يُعْلِن مُتَفَاخرًا مُتَكَبِّرًا على الملأ إنَّه أنفق أكداسًا من المال في حرب محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، [2] وأصحابه. ويقول (أهلكت) كلمة اسْتِهْتار وتكبر في جوِّ مُبَاهاة وغرور، وكأنَّها حرب إعلاميَّة أو إعلام حرب يُرافق الإيذاء ليقهر النفوس ويبخعها.

{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [3] (( أتى هنا بلم, الدالَّة على المضي في مقابلة قوله: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} ) ) [4] . هل يظنُّ أنَّ الله لم يره ولم يعلم بما صنع وأنفق من قبل أنْ يصخب ويُعْلِن في دعايته الموتورة.

{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [5] بدأ الله، جلَّ جلاله، (( بوسائط الإدراك الحسي، ووسائل الإبانة، فالعين أداة البصر، واللسان والشفتان أدوات النطق والإبانة والتعبير. وليس الاسْتِفهام هنا على وجه تعديد النعم والامْتِنان على الإنسان بما جعل الله له من عينين ولسان وشفتين، وإنَّما هو الحضُّ والزجر، يلفت بهما، سبحانه، هذا المغترّ, إلى ما أتيح للإنسان من أدوات الإدراك والبيان, جعل له عينين يُبْصر بهما الخير والشر, وجعل له لسانًا وشفتين، وسائل إبانة وتعبير, فلا يسكت على مُنْكر ثم أتبع هذا بما هداه تعالى إليه من إدراك مميَّز لمعالم الطريقين ) ) [6] ، وهما طريق الخير والشر، وهذا قول جمهور المفسِّرين على حدِّ قول أبي حيَّان [7] .

ولكنَّ هذا الصنف من الناس الذي هيَّأ الله له كلَّ هذه الوسائل ضلَّ واغْتَرَّ واسْتَخدم ما خلق الله له من (عينين ولسانٍ وشفتين) وسائل وأدوات

(1) البلد: 6

(2) ينظر تفسير الطبري (30/ 198) ، تفسير الواحدي (4/ 489) ، تفسير البغوي (4/ 489) ، تفسير الرازي (31/ 182) ، تفسير القرطبي (20/ 64) ، تفسير البيضاوي (5/ 492 - 493) ، فتح القدير (5/ 443) ، روح المعاني (30/ 136)

(3) البلد: 7

(4) التبيان في أقسام القرآن (25)

(5) البلد: 8 - 10

(6) التفسير البياني للقرآن الكريم (1/ 171 - 172)

(7) ينظر البحر المحيط (8/ 476)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت