فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 258

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [1] يقسم الجليل بالليل في أحلك أوقاته أي عندما تغطِّي حلكته كلَّ أثرٍ لضياء الشمس (( والتغشيَة هي مقابل التجليَة، والليل غشاءٌ يضمُّ كلَّ شيءٍ ويُخْفِيْه ) ) [2] .

{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [3] أَقْسَم، جلَّ جلاله، بالسماء وبنائها والأرض وطَحْوِهَا [4] أي بسطها وتمهيدها للحياة، والله، جلَّ جلاله، مُمْسِكٌ بالسموات والأرض بقدرته المُعْجِزَة {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [5] . إنَّه قسمٌ بكلِّ ما في بناء السماء وبكلِّ ما على سطحها أمام الأعين والحواسِّ.

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [6] يُقْسِم الله، تبارك وتعالى، بالنفس كلِّها وبكلِّ ما فيها، فيُشِيْر إلى شِقَّيْها معًا: فجورها وتقواها.

إنَّ نهج القسم في اخْتِيَار المُقْسَمِ به غاية في الظهور والوضوح نهجٌ قرآنيٌّ بليغٌ وأكثر ما يبين ويسطع في هذه السورة الكريمة.

ولا منطق ولا بلاغة البتَّة في اسْتِخْدَام مُقْسَمٍ به غير ظاهرٍ أو غير مدركٍ عند المُخَاطَب بِقَسَمٍ على أمرٍ هو حكمٌ مغيَّبٌ أو غير مدركٍ عنده، ويريد المُقْسِمُ من قسمه تثبيت هذا الأمر وتأكيده في ذهن المُخَاطَب.

وأوَّل هذه المواضع التي أعرض فيها هذا الغرض موضع سورة الواقعة: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [7] لقد وجَّهت (مواقع النجوم) باتِّجاه صفة الظهور والوضوح الشديدين أمام أنظار الناس، ولاسيَّما عرب الجزيرة، وفي مداركهم، فاسْتَنْتَجْت الغرض الخامس لصيغة نفي القسم وهو غرض إشارة المُقْسِمِ إلى شدَّة ظهور المُقْسَمِ به وعِظَمِ بيانه بنفي القسم به. وقد فصَّلت في ذلك ودلَّلت عليه في موضعه.

أمَّا إذا وجَّهت (مواقع النجوم) في تفاصيلها وأسرارها باتِّجاه كونها فوق علم الإنسان ومداركه، وأنَّها ستبقى كذلك مهما ارْتَقَى بعلمه وبحثه لأنَّها إعجازٌ علميٌّ لن

(1) الشمس: 4

(2) في ظلال القرآن (30/ 173)

(3) الشمس: 5 - 6

(4) ينظر في ظلال القرآن (30/ 173)

(5) فاطر:41

(6) الشمس: 7 - 8

(7) الواقعة: 75 - 76

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت