يصل الإنسان إلى مرحلة كونه قادرًا ومُهَيْمِنًا عليه {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [1] فسيكون هناك غرضٌ آخرٌ مختلفٌ وهو نفيٌ للقسم بِمُقْسَمٍ به مُغَيَّبٍ أو فوق الإدراك.
وممَّا يعزِّز هذه الوجهة قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} أي أنَّ اللَّفت بالقسم (بمواقع النجوم) لفتٌ عظيمٌ، وتوجيهٌ لما لَمْ يصل علمكم إليه لتُدْرِكُوه وتفقهوا دلالاته، ولذلك لن أُقْسِم لكم بمواقع النجوم.
والله، جلَّ شأنه، (( لم يقل بذات النجوم، وذلك ليبيِّن حقيقةً علميَّةً مهمَّةً، وهي أنَّ الكواكب ليست منثورةً في السماء اعْتِبَاطًا، كما يظنُّ الجاهل بنظرته الخاطفة إلى ظاهرها، بل هي خاضعةٌ لنظامٍ دقيقٍ ومحكمٍ بحيث تأخذ كلُّ نجمةٍ موقعها فيه، بما يجعل النظام مُتَكامِلا ويجعلها تُؤدِّي دورها المطلوب والمناسب في الوجود ) ) [2] (((إنَّه) أي القسم بها (لو تعلمون عظيم) أي لو كنتم من أهل العلم لعلمتم عظمته )) [3] .
فالقسم (بمواقع النجوم) عظيمٌ عند من يُدْرِك عظمة هذا القسم، ويطَّلع على حقائق عظمة مواقع النجوم، ومع أنَّ عظمة هذا القسم تتَّضح وتعظُم مع تقدُّم العلم وتطوُّره إلا أنَّ ما علمناه عن الفلك قليل محدود، وهو ما اسْتَطاعت المراصد الصغيرة المحدودة الوصول إليه، وقد يكون مقدار عظمة مواقع النجوم أكبر من طوق فهم البشر وإدراكهم.
ولذا لا يُقْسِم الله، جلَّ جلاله، (بمواقع النجوم) لأنَّ المُقْسَمَ له لا يُدْرِكُ ولا يعلم عظمة هذا القسم، يقول المُدرِّسيُّ في هذا الشأن: (( والقسم بشيءٍ يُحَقِّق غرضه حينما تكون عظمته معروفةً عند الطرف المقابل ) ) [4] .
ويبقى في هذا الموضع أنْ نلفت النظر إلى أنَّ الله، جلَّ شأنه، قد أَقْسَم (بالنجم) أي (بذات النجم) في غير هذا الموضع في سورة النجم: قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [5] فيُقْسِمُ الجليل بالنجم (إذا هوى) ، أي: مُشْتَرِطًا به أنْ يَهْوِي، وكأنَّ خطاب القسم يقول في سورة النجم واسْتِنَادًا إلى دلالة النفي هنا في سورة الواقعة: أُقْسِمُ بالنجم إذا غادر موقعه العظيم والبعيد عن أنظاركم ومدارككم فهَوَى
(1) الإسراء: 85
(2) من هدى القرآن (14/ 452)
(3) تفسير شبر (536)
(4) من هدى القرآن (14/ 454)
(5) النجم: 1