فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 258

أمامها نازلا من عليائه مقتربًا فيُلْحَظ ويُدْرَك. ويدلُّ القسم على ما بعده {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [1] ،أي: ما تفوَّه به منزَّل من العليِّ الأعلى كنزول هذا النجم من عليائه في موقعه البعيد العظيم.

وفي تنزيل القرآن معنى أنَّه كان مرفوعًا فوق عِلْمِ الإنسان وإدراكه وتَنَاوُلِه، ثم منَّ الرحمن فعلَّم القرآن ويسَّره للذِّكر، كما لم يُقْسِم، جلَّ شأنه، بمواقع النجوم لأنَّها مواقع بعيدةٌ جدًا وعظيمةٌ تَعْصَى على وصول الإنسان ونفاذه، ولكنَّه، جلَّ جلاله، أَقْسَمَ بأحدها أي (النجم إذا هوى) فاقْتَرَبَ ودَنَا، وأصبح في مُتَنَاوَل رصد الإنسان وربَّما لمسه، لو كان النجم بمعنى النيزك وارْتَطَم بالأرض.

وممَّا يعزِّز وجود هذا الغرض، نفي القسم في موضع سورة الحاقَّة {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [2] ، قوله تعالى: {وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} فالجليل لا يُقْسِمُ (بما لا يُبْصِرُوْن) ،أي: لا يُقْسِمُ بما هو غير ظاهرٍ ولا يُبْصَر أو غير مُدْرَكٍ ولا تَلْمَحُه البصيرة، وفي ذلك جانب رحمةٍ وتيسير هدايةٍ ألا يلفت الجليل إلى ما لا يُبْصَرُ ويُدْرَكُ من آيات خلقه، وإنَّما يلفت إلى ما يُبْصَر ويُدْرَكُ. (( والذي لا نُبْصِرُه هو ما لا يقع تحت الحسِّ والإدراك ) ) [3] ، وفي الآية الكريمة إشارةٌ (( تفتح القلب وتنبِّه الوعي إلى أنَّ هناك وراء مدِّ البصر ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسرارٌ أخرى لا يُبْصِرها ولا يُدْرِكها. وتوسِّع بذلك آفاق التصوُّر الإنسانيِّ للكون والحقيقة، فلا يعيش سجين ما تراه عيناه ولا أسير ما يُدْرِكه وعيه المحدود ) ) [4] .

وإنَّني لأرى اجْتِمَاع الغرضين في آيات هذا الموضع، غرض نفي القسم بمُقْسَمٍ به شديد الظهور، في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ} وغرض نفي القسم بمُقْسَمٍ به مُغَيَّبٍ في قوله تعالى: {وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} .

وفي موضع سورة القيامة في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، لا يُقْسِمُ الله، تبارك وتعالى، بيوم القيامة، لأنَّه مُغَيَّبٌ مخفيٌّ بل هو الغيب نفسه قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ

(1) النجم: 2

(2) الحاقة: 38 - 39

(3) التفسير القرآني للقرآن (8/ 1149)

(4) في ظلال القرآن (29/ 86)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت