ومن المفسِّرين مَنْ ادْعَى وجود اتِّفاقٍ مزعومٍ على الرأي الذي رجَّحه، كابْن الجوزي في تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [1] إذ قال: (( قوله تعالى:(لا أُقْسِمُ) اتَّفقوا على أنَّ المعنى أُقْسِمُ واخْتَلَفُوا في (لا) فجعلها بعضهم زائدة ... وجعلها بعضهم رَدًّا على منكري البعث ويدلُّ عليه أنَّه أَقْسَمَ على كون البعث ... وقرأ ابْن كثير إلا ابْن فليح (لأُقْسِمُ) بغير ألف بعد اللام فجعلت لاما دخلت على (أُقْسِمُ) ... قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} ، قال الحسن أَقْسَمَ بالأُولى ولم يُقْسِم بالثانية، وقال قتادة حكمها حكم الأُولى. وفي النفس اللوَّامة ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها المذمومة ... والثاني: أنَّها النفس المؤمنة ... والثالث أنَّها جميع النفوس ... )) [2]
وهكذا صرَّح ابْن الجوزيّ باتِّفاق المفسِّرين على أنَّ المعنى (أُقْسِمُ) واخْتِلافِهِم في (لا) ، غير أنَّه لم يذكر لنا المُتَّفِقِيْن، ولم يذكر دليلا على ما اتَّفقوا عليه من معنى (أُقْسِمُ) في الآية الكريمة بل إنَّه هو نفسه أورد لنا رأيًا معاكسًا يُفيد معنى (نفي القسم) عندما قال في نصِّه السابق (قال الحسن أَقْسَمَ بالأُولى ولم يُقْسِم بالثانية) . فلط يوجد اتِّفاق على أنَّ معنى (لا أُقْسِمُ) : أُقْسِمُ, هذا من جانب، ومن جانب آخر يفيد معنى قوله (اتَّفَقُوا) أنَّهم اجْتَمَعُوا وتحاوروا وتشاوروا ومن ثَمَّ اسْتَطاعوا أنْ يتوصلوا إلى معنًى واحد واتفقوا عليه وكان الأحرى به أنْ يقول اتَّفَقت آراء المفسِّرين أو أقوالهم على أنَّ معنى (لا أُقْسِمُ) هو أُقْسِمُ. هذا فضلا عن أنَّه لم يَذْكر لنا الأمر الأهمّ وهو الرابط بين القسم بيوم القيامة وإتباعه بالقسم بالنفس اللوَّامة, ولِمَ أقسم الله جلَّ جلاله بهما, وما علاقة القسم بما تلاه من آيات؟
ومن المفسِّرين مَنْ جَوَّز في (لا) رأيين ما دام معنى القسم بعدهما قائمًا, وهو بذلك يُلْغِي أثر (لا) في الآية الكريمة ويُسَلَِّط الأضواء على معنى القسم بعدها فقط، كالطبرسي في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [3] إذ قال: (( و(لا) زائدة والمعنى فَأُقْسِمُ عن سعيد بن جبير، ويجوز أنْ تكون (لا) ردًا لما يقوله
(1) القيامة: 1 - 2
(2) زاد المسير (8/ 415 - 416)
(3) الواقعة: 75