وانظر كيف كتبوا: (الصراط) بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل ليكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجهٍ قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعُدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك اختلف في رسم (بصطة) الأعراف دون: (بسطة) البقرة؛ لكون حرف البقرة كُتب بالسين والأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفًا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة، ولذا لم يعدوا إثبات ياء الزوائد، وحذف ياء {فلا تسألني} في الكهف، وواو {وأكن من الصالحين} والظاء من: {بضنين} ونحوه من مخالفة الرسم المردودة، فإن الخلاف في ذلك مغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشيه صحةُ القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته.
قال: وقولنا: (وصح سندها) يعني به أن يروي تلك القراءة العدلُ الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم قال: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، قال: وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يُحتاجُ فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنًا سواءً وافق الرسم أم لا، وإذا شرطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة، قال أبو شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة أي كل فرد فرد مما روي عنهم، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها، وقال الجعبري: الشرط واحد وهو صحة النقل ويلزم الآخران فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انجلت له هذه الشبهة، وقال مكي: ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده، وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف، وقسم صح نقله عن الآحاد وصح في العربية وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: مخالفته لما أجمع عليه، وأنه لم يؤخذ بإجماع بل بخبر الآحاد ولا يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده وبئس ما صنع إذا جحده، وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط.
قال ابن الجزري: مثال الأول كثير: كقراءة) مالك يوم الدين) و (يخدعون ويخادعون) ومثال الثاني: قراءة ابن مسعود وغيره: (والذكر والأنثى) وقراءة ابن عباس: {وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة} ونحو ذلك.
قال: واختلف العلماء في القراءة بذلك في الصلاة، والأكثر على المنع؛ لأنها لم تتواتر ولم تثبت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما