لهذا نقول من فهم لا إله إلا الله لم يُحتج إلى أن يفصل له كل مسألة من المسائل، فمثلا النذر لغير الله ليس فيه حديث النذر لغير الله شرك، والذبح لغير الله ليس فيه حديث الذبح لغير الله شرك، ونحو ذلك من الألفاظ الصريحة, وهكذا في العكوف عند القبور، أو العكوف والتبرك عند الأشجار والأحجار، لم يأتِ به الشيء الصريح؛ لكن نفي إلهية غير الله جل وعلى يدخل فيها عند من فهم معنى العبادة كل الصور الشركية.
ولهذا الصحابة - رضي الله عنهم - فهموا ما دخل تحت هذا النفي, ولم يطلب ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط إلا من كان حديث عهد بكفر؛ يعني لم يسلم إلا قريبا، وهم قلة ممن كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيره إلى حنين.
والإثبات يكون مفصلا, وتفصيل الإثبات:
تارة يكون بالتنصيص.
وتارة يكون بالدلالة العامة من وجوب إفراد الله جل وعلا بالعبادة مثلا، {اعْبُدُوا [اللَّهَ] [1] مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [2] ونحو ذلك من الآيات.
والأدلة الخاصة بالعبادة كقوله {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7] ، وكقوله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] ، وكقوله {تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال:9] ، فهذه أدلة إثبات تثبت أن تلك المسائل من العبادات، وإذا كانت من العبادات فنقول لا إله إلا الله يقتضي بالمطابقة أنه لا تصرف العبادة إلا لله جل وعلا.
إذن فيكون ما طلبه أولئك من القول الذي يعملوه راجع إلى عدم فهمهم أن تلك الصورة داخلة فيما نُفي لهم مجملا بقوله إله إلا الله.
س/ فضيلة الشيخ: ما حكم التبرك بالصالحين وبماء زمزم والتعلق بأستار الكعبة؟
التبرك بالصالحين قسمان:
· تبرك بذواتهم، بعرقهم، بسورهم؛ يعني بقية الشراب، بلعابهم الذي اختلط بالنوى مثلا أو ببعض الطعام، أو التبرك بشعرهم، أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز وهو من البدع المحدثة، وقد ذكرت لكم أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يعملون مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -وهم سادة أولياء هذه الأمة- شيئا من ذلك، وإنما فعله الخُلوف الذين يفعلون مالا يؤمرون ويتركون ما أُمِروا به.
· والقسم الثاني بركة عمل: وهي الإقتداء بالصالحين في صلاحهم، والاستفادة من أهل العلم، التأثر بأهل الصلاح، وهذا أمر مطلوب، والتبرك بالصالحين بهذا المعنى مطلوب شرعا.
أما التبرك بالذات كما كان يفعل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا ليس لأحد إلا للنبي عليه الصلاة والسلام.
أما التبرك بماء زمزم فإن شُرب ماء زمزم بما جاء به الدليل ولما جاء به الدليل لا بأس به، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال في ماء زمزم «إنها طعام طعم وشفاء سقم» فمن شربها طعاما أو شفاء سقم شرب بما دل عليه الدليل,
(1) الشيخ قال: ربكم.
(2) الأعراف:59، 65، 73، 85، هود:50، 61، 84، المؤمنون:23، 32.