فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 260

لهذا ينبغي أن يكون المتلقي لهذا العلم دقيقا فيما يسمع؛ لأن كل مسألة لها ضوابطها ولها قيودها، وأيضا بعض المسائل يكون الكلام عليها تارة مجملا، وفي بعض ما سمعه المتلقي يكون سمع أحد الأحوال وهي فيها تفصيل، ويكون الكلام عليها من حيث الإجمال غير الكلام عليها من حيث التفصيل.

نواصل الحديث على باب ما جاء في الذبح لغير الله.

قال الإمام رحمه الله تعالى (وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ} الآية [الأنعام: 162 - 163] ) هذه الآية فيها أن عبادة الصلاة وعبادة النسك وهو الذبح لله جل وعلا، وقال هنا (قُلْ إِنَّ) و (إِن) من المؤكدات، ومجيء التأكيد في الجمل الخبرية معناه أنَّ من خوطِب بذلك منكر لهذا الأمر أو منزَّل منزلة المنكر له، ولهذا يكون الاستدلال بهذه الآية على أنه خوطب بها من ينكر أن الصلاة لله وحده استحقاقا وأن الذبح لله وحده استحقاقا، وهم المشركون، فدلّ على أن هذه الآية في التوحيد؛ يعني في توحيد الذبح لأجل الله جل وعلا وأن الذبح لغيره مخالف لما يستحقه الرب جل وعلا.

قال هنا (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) والنسك هو الذبح أو النحر؛ يعني التقرب بالدم، والتقرب بالدم لله جل وعلا عبادة عظيمة؛ لأن الذبائح أو المنحورات -الإبل؛ البقر، الغنم من الضأن والماعز- هذه مما تعظم في نفوس أهلها.

ونحرُها تقربا لله جل وعلا والصدقة بها عبادة عظيمة:

· فيها إراقة الدم لله.

· وفيها تعلق القلب بحسن الثواب من الله جل وعلا.

· وفيها حسن الظن بالله تبارك وتعالى.

· وفيها التخلص من الشُّح والرغب فيما عند الله سبحانه بإزهاق نفس ما هو عزيز عند أهله.

ولهذا كان النحر والذبح من العبادات العظيمة التي يحبها الله جل وعلا، وهذه الآية دلَّت على أن النحر والصلاة عبادتان؛ لأنه جعل النسيكة لله، والله جل وعلا له من أعمال خلقه العبادات.

فلهذا صار وجه الدلالة أن قوله (وَنُسُكِي) فيه دلالة على أنَّ النُّسك عبادة من العبادات وأنه مستحَق لله جل وعلا.

قوله (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) اللام هنا المتعلقة بقوله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) لام الاستحقاق.

لأن اللام في اللغة وفيما جاء من الاستعمال في القرآن:

· تأتي لام المِلْك {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف:79] ؛ يعني يملكونها.

· أو تكون لام الاختصاص وهو شبه الملك.

· أو تكون لام الاستحقاق مثل {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يعني جميع أنواع المحامد مستحَقة لله.

كذلك اللام هنا (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ... لِلَّهِ) يعني مستحَقّة لله جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت